الاثنين، 13 أبريل، 2015

محمود البدوى ـ قصص قصيرة ـ مختارات قصص من الصعيد



قصص من الريف المصرى الصعيدى

بقلم
محمود البدوى


تقديم واختيار :
على عبد اللطيف       و       ليلى محمود البدوى

الناشر
مكتبة مصــر
3 شارع كامل صدقى ــ الفجالة
ت : 5908920



تقديـــم
محمود البدوى (1908 ــ 1986)
ولد فى قرية صغيرة بقلب الصعيد تقع على النيل مباشرة وقريبة من خزان أسيوط .. فى جو تتجلى فيه الطبيعة بأجمل مظاهرها .. الماء والخضرة .
ولد فى قرية الأكراد مركز أبنوب مديرية (محافظة) أسيوط فى الرابع من شهر ديسمبر سنة 1908 وكان والده عمدة القرية وتولاها وعمره 18 سنة، وسار على نهج آبائه فى المحافظة على الأمن والنظام فيها فكانت بمنأى عن الإجرام والمجرمين وقطاع الطرق .
كانت أمه متعلمة ويرجع الفضل إليها فى تعليمه القراءة والكتابة . وعلى لوح من الاردواز ، بدأ البدوى يكتب ويحفظ الحروف الهجائية ، وكانت ككل الأمهات فى ذلك العهد ، تتفاءل برؤية مولد الهلال .. ففى أول أيام الشهر الهجرى كانت تصعد به إلى سطح المنزل الواسع (بيت الوسية) وترنو إلى الهلال ، وهى تقرأ بعض سور القرآن .. واضعة يدها على وجهه مقبلة جبينه .. داعية الله أن يقيه شرور الحياة .
كانت أمه حاملاً حينما توفى والدها (عبد المنعم التونى عمدة إتليدم بالمنيا) فأصابها الحزن والكرب العظيم ، فأثر ذلك على صحتها وعلى الجنين ، وفى أثناء الولادة بالبيت عام 1915 ماتت ولم ير الطفل النور وانتهى معها .
إنطلق الصراخ من جنبات الدار وسرى الخبر فى القرية مسرى النار فى الهشيم وانتقل منها إلى القرى المجاورة ، وحضرت الجموع وتحولت القرية إلى مناحة ، ومحمود يشاهد هذا كله بعين الطفل ، فلم يكن بلغ السابعة من عمره، ولأول مرة فى حياته ــ وهو الذى لم يعرف الحزن ــ يرى الموت يدخل البيت ، ومنظر النساء الباكيات حوله ، ففطر قلبه وشعر فى أعماقه بالتعاسة..
تبدل وتغير حال محمود وانقلب كيانه ، فانقلب لعبه وضحكه ومرحه وشقاوته إلى حزن وانطواء ، فقد كانت الفاجعة أكبر من أن يحتملها طفل فى مثل سنه وتكوينه ، وارتسمت مسحة الحزن على وجهه ، فذبل جسمه واصفر لونه ، فكان ينزوى سحابة النهار وجزء الليل فى المزارع والحقول هائما شاردًا لا يحادث أحدًا ، وكان يشعر بأنه قريب من الموت الذى أخذ أمه فجأة دون سابق إنذار وهى فى بكائر أيامها وربيع عمرها ، وأصبح يستريح إلى رهبة الليل وسكونه وهوله .
حينما بدأت تنقشع الغمة وترتاح نفسه قليلا ، ذهب إلى كتاب مسجد الخطباء بالقرية ، وفيه تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم ، ثم التحق بمدرسة أسيوط الابتدائية وأقام فى المدينة وفى الإجازات يعود إلى القرية ، ويذهب إلى الحقول والغيطان ، ويعبر النيل قاصدًا الجزيرة لوجود جزء من الأطيان الزراعية الخاصة بأسرته ، ويشاهد الفلاحين متناثرين فيها ، يقضى الليل ويسهر معهم ، يتسامرون ويفيضون بأعذب الأقاصيص والسير ، ويوقدون النار فى الدريس لعمل الشاى ، وكانوا يجذبون سمعه بحكاياتهم الشيقة ، ويمر عليهم وهم فى الحقول رجال الليل بأثوابهم الداكنة ، مغطين رؤوسهم وأعناقهم بالملاحف ومسلحين بأحدث طراز من البنادق ، ويجلسون معهم يشربون الشاى ، ويقصون عن مغامراتهم وهم يسطون على العزب والمزارع الغنية لبعض الثراة فى الليالى السوداء ، ويحكون عن حوادثهم مع القرويين الذين يتأخرون فى الحقول والتجار العائدين من الأسواق .
ويقول محمود "كان رجال الليل يمرون علينا ونحن فى الأجران والغيطان، وكنا نتبادل الأحاديث ونشرب الشاى ، وباختصار فقد كانت السنوات الثمانى عشر الأولى من حياتى ريفية بمعنى الكلمة" وقد يعجب القارئ إذا علم أن رجل الليل لا يغدر ولا يخون من أمنه .. ويعتبر الغدر خيانة تصمه بالعار ، وتجرده من صفاته كرجل (إنقرض هذا الرجل الآن .. وبقى ظله وفيه كل صفات الخساسة والوضاعة) .. ويدفعه إلى القتل والشر ، حوادث فردية تصيبه بمثل الفارعة فتغير من نظام حياته .. وكل إنسان فيه الخير والشر .. وتبعا للظروف والأحوال تبرز هذه الصفة وتضعف تلك .. والشر أكثر الطباع ضراوة عند الإحساس بالظلم .
وكان أهل القرية جميعا دون استثناء رجالاً وأطفالاً يجيدون السباحة والغوص تحت الماء ولا يشعرون بخوف ولا رعب ولا يرهبون الماء ولا يخافون الغرق ، وكانت مياه الفيضان (فى بداية شهر أغسطس وقبل عمل السد) تغمر القرية وتنطح بيوتها وكان محمود ينزل مع لداته يلعبون فرحين ويتسابقون ويتنافسون على تسلق صوارى المراكب الراسية بجوار القرية ويقفزون من قمتها إلى الماء .
إنتقل إلى القاهرة لاستكمال تعليمه الثانوى بالمدرسة السعيدية الثانوية ، ولم يكن له أهل بالقاهرة فنزل فى كثير من النسيونات وكان كل أصحابها أجانب ، واختلط بمجموعة كبيرة جدا من البشر على اختلاف أشكالهم وألوانهم وجنسياتهم وطبائعهم ، وعرف طريقه إلى دار الكتب المصرية بباب الخلق ، فقرأ الأدب القديم والحديث ونوع وسائل الإطلاع ، ساعده على ذلك إجادته للغتين الإنجليزية والفرنسية فقرأ فى أشهر الروايات ولأكبر المؤلفين الأجانب .
التحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية وكان يقيم بالدار إقامة شبه دائمة ويجد لذته الكبرى فى القراءة والاطلاع فاستغرقت كل وقته وكان يشعر بالغبطة والسرور والرضى النفسى كلما قرأ شيئا جديدا ، ويؤلمه عدم وجود الفراغ ليقرأ وليطالع من الكتب ما يشاء ويرغب ، فأهمل دراسته وانقطع عن الجامعة وانتقل إلى كلية الحياة ولجأ إلى الوظيفة كغيره من الشبان .
التحق بالعمل بقلم حسابات الحكومة بوزارة المالية فى 12/3/1932 براتب شهرى سبعة جنيهات ونصف وكلف بالعمل فى مصلحة الموانى والمنائر بالسويس .
حينما صدرت مجلة الرسالة فى 15 يناير سنة 1933 ، كان يقرأ الأدب الروسى مترجما إلى اللغة الإنجليزية بقلم الكاتبة الإنجليزية كونستانس جارنيت، وترجم إلى العربية قصة "الجورب الوردى" لتشيكوف وأرسلها إلى مقر المجلة ونشرت بالعدد العشرين فى 1/12/1933 وشجعه ذلك على ترجمة غيرها، كل ذلك وهو فى الرابعة والعشرين من عمره ، وهى سن صغيرة نسبيا لأولئك الذين كانت تتاح لهم فرصة الكتابة والنشر فى مجلة الرسالة التى كان يعتبر النشر فيها فى ذلك الوقت شهادة ميلاد لأديب متميز .
عاد إلى القاهرة ليعمل بمقر الوزارة بميدان اللاظوغلى ، وحدث ما شجعه على السفر إلى الخارج ، فسافر إلى أوربا الشرقية على متن باخرة رومانية أقلعت من ميناء الإسكندرية إلى اليونان ثم تركيا وإلى رومانيا والمجر عبر نهر الدانوب فى 3 أغسطس 1934 ، وعاد من الرحلة متفتح المشاعر للكتابة ، فكتب رواية "الرحيل" وطبعها على حسابه بالمطبعة الرحمانية بالخرنفس عام 1935 ، وبعد هذا أخذ ذهنه يفكر ويشغل بتأليف القصص وانقطع عن الترجمة وبدأ الزيات يعرفه كمؤلف وينشر له قصصه فى مجلته التى كان يصدرها وحده .
وسافر إلى كثير من بلاد العالم الخارجى فى رحلات ثقافية وغير ثقافية ، ولكنه لم يكتب إلا عن تلك التى استطاعت أن تحدث فى داخله هزة عميقة واستطاع أهلها أن يؤثروا فى عقله ووجدانه فصور بعض قصصه فى اليونان وتركيا ورومانيا والمجر والهند والصين وهو نج كونج واليابان وبانكوك وروسيا والدانمرك والجزائر وسوريا والمغرب .
لازمته صورة القرية المصرية فى الصعيد فى رحلاته إلى الخارج وهى التى جعلته دائم المقارنة بين حالة الفلاح المصرى وشقائه وتعاسته وبين حالة الفلاح فى البلاد التى زارها ، وبدأ هذه المقارنة فى أولى أعماله "رواية الرحيل" عام 1935 .
ولاهتمام محمود بالريف الصعيدى ، صور قصصًا ريفية خالصة ومن صميمه(1) تناول فيها حياة الريف والفلاحين وطباعهم وأخلاقهم وألقى الضوء على ما يدور فى عقل الفلاح والمشاكل التى يتعرض لها وكيف يتحول إلى ابن ليل وكيف يفكر للأخذ بالثأر .
وفى اعتقاده أن الفقر يجر الإنسان إلى مصائب كثيرة ، وكثيرا ما يكون سببا فى ذله وإضطهاده ، وكان يردد دائما بينه وبين نفسه كلمة الإمام علىّ: "لو كان الفقر رجلا لقتلته" ويقول "أكتب ما أشعر به وأحسه بوجدانى وأعيشه فى حياتى .. وأكتب عن تجربة صادقة ولا أفتعل الحوادث ولا أزينها.. أحاول الوقوف مع مكسورى الجناح من البشر ورفع الظلم عنهم .. وسأظل أدافع عن المسحوقين حتى يكون لهم الحق فى الحياة .. ولو لم أكتب لأنفس عن نفسى ، لمت بالسكتة من فرط الإحساس بعذاب الناس ، وما تطحنهم به الحياة ، وما تصيبهم به قارعات القدر ، وما يلاقونه من عنت وظلم فى العجلة الدوارة " .

الأعمى
تمر ترعة الكامل بقرية « س » وهى قرية صغيرة من قرى الصعيد ، فتشطرها شطرين غير متساويين ، فقد جارت على الجانب الأيسر بقدر ما أضفت على الأيمن ، فاتسع هذا واستفاض حتى أصبحت منازله وبساتينه ونخيله وأعنابه ، لا يحدها البصر ولا تحصرها العين ، واستدق ذاك واستطال حتى قامت منازله الصغيرة على شط الترعة ذليلة منكسرة واجمة ، تشكو إلى اللّه ظلم الطبيعة بعد أن شكت جور الإنسان الذى خلفها سوداء قذرة تمرح فيها الحشرات من كل لون وجنس .
وإذا استقبلت القرية وأنت قادم على جسرها الطويل ، بصرت أول ما تبصر بمنزل صغير من هذه المنازل بنى بالطوب الأسود ، وخط جواره بستان، ليس فيه سوى نخلتين ! مالت إحداهما على الترعة ، حتى غرقت فروعها فى الماء ، وسمقت الأخرى فى الجو ، حتى ناطحت بسعفها السماء ، ولا تدر النخلتان ثمرًا الآن ، ولا يرجى منهما شىء فى المستقبل ، فقد جف عودهما وذهب شبابهما . وتقيم فى هذا المنزل منذ أكثر من تسعة أعوام أرملة فى الخمسين ، وهى امرأة دمثة الطبع ـ خلاف العجائز من مثيلاتها ـ ناحلة الجسم معروقة العظم واهية البناء ، تستريح فى بيتها معظم العام ، حتى يهل رمضان، فإذا هل ، خرجت فى الهزيع الأول من كل ليلة حاملة على ذراعها صفيحة قديمة تطوف بها على منازل القرويين ، وهى تنقر نقرًا خفيفًا ، وتتغنى بأغنية قديمة ، قل من يدرك معناها ومبناها من سكان القرية ! على أنهم كانوا يهبون من مضاجعهم عندما يصافح سمعهم إيقاعها وغناؤها ، ويبسطون موائد السحور ، وان كان الليل لم ينتصف بعد !! وهذا العمل الضئيل لا يجلب لها فى الغالب رزق شهرين أو ثلاثة ، فكيف تقتات باقى العام ، وكيف تعيش ؟ هذا هو السؤال ! على أن الذين انحدروا من الريف ، يعرفون تمام المعرفة أن هناك الملايين من أمثالها يضعون دائما أيديهم على بطونهم ليحفظوا بذلك التوازن الاجتماعى لتخمة الأغنياء . مثل هذه الأيم السواد الأعظم من الفلاحين الذين لا يعرفون وخير لهم ألا يعرفوا ، أنهم أتعس المخلوقات البشرية فى الدنيا جمعاء . إنهم مخلوقات ذليلة تعسة ، لصقوا بالأرض ، حتى أكلتهم الأرض ، وأفنوا عصارة حياتهم فيها ، حتى استنفدت قوتهم واستفرغت جهدهم . ولو رأيتهم وهم عائدون من الحقول مع مغرب الشمس، والصفرة الباهتة تعلو وجوههم ، والغبار القذر يملأ أعينهم ويسد أنوفهم ، لعلمت أنهم أتعس الناس فى الناس ، وأشقى الطبقات العاملة على الاطلاق . إنهم مخلوقات مريضة فقدت بهجة الحياة ونعيمها واستسلمت صاغرة للمرض والفناء .
ويسكن مع هذه الأيم أعمى فى الثلاثين من عمره ، وهو شاب أسمر فارع ضليع الجسم مفتول العضل وثيق التركيب ، وهو المؤذن لمسجد القرية منذ أن شب عن الطوق وانخرط فى عداد الرجال ، على أن الذى جمع بين هذه الأيم العجوز ، وهذا الأعمى الشاب ، لم يكن قرابة ولا نسابة ، وإن كان القرويون يسمون العجوز « أم سيد » وسيد هو الأعمى ، وكانت المرأة تمتعض وتهتاج لهذه التسمية فى أول الأمر ، وهى التى لا « سيد » لها ، ثم ما لبثت أن استراحت لها على مرور الزمن حتى قر هائجها وسكن ، وحتى تعمدت ألا تدفع هذا القول بما يكذبه ، وهى المتيقنة بأن الجدل فى أمثال هذه الأمور غير مجد فى الواقع ، فمن الذى يقف فى وجه التيار الجارف ، ومن الذى يمكنه أن يدفع السنة الناس الطويلة جدًا إلى حلوقها ، لا أحد على التحقيق .
على أن المنزل لم يكن للعجوز والشاب فى الحقيقة ، وإنما هو لرجل ملاح يعمل فى النيل ويقضى فيه العام كله ، ولا يهبط القرية إلا زمن التحاريق ، فإذا جاء ، بات فى سفينته ، فقد ألف الرجل النيل ، ونسى منزله على توالى السنين .
وكان المسجد الذى يؤذن فيه الأعمى فى طرف القرية الشمالى ولكى يبلغه لابد له أن يجتاز الترعة وعليها جسر ضيق ، يجوزه المبصر وهو راجف حذر ، فكيف بالأعمى ! ثم يدور بعد ذلك فى دروب وينعطف فى منعطفات، ويجتاز بساتين من النخيل يكثر فيها الحسك والشوك ، وعلى الرغم من هذا كله ، فإن الرجل كان يبلغ المسجد وكأنه المبصر الحديد البصر، فلا يضل ولا يتباطأ فى سيره ، ولا يعتمد على حائط ، ولا يستند إلى جدار ، وشد ما تعجب لذلك وتدهش ، على أنك متى سمعت القرويين وهم يقولون أن الرجل يبصر بقلبه ذهب عنك العجب كله .
وإذا طلع الفجر على القرية ، وهى غارقة فى سبات عميق ، وكل شىء فيها ساكن هاجع ، فلا نأمة ولا حركة ، اللهم إلا سامقات النخيل وهى تترنح مع النسيم الوانى ، وسيقان الزرع وهى تتمايل مع الريح الرخاء ، طلع الأعمى إلى سطح المسجد ، وانطلق يؤذن فى صوت حلو النبرات عذب الرنين ، ينفذ إلى كل قلب ، ويهفو إلى كل أذن ، ومن الذى يسمعه وهو يقول .
حى على الصلاة
فيتأخر بعد ذلك عن الصلاة . لقد كان صوته لينًا شجيًا يرن فى سكون الليل رنين اللحن العذب الأخاذ ، فيهب له القرويون من مضاجعهم ، ويخفون إلى المسجد خاشعين صامتين .
وكان الرجل محبوبًا من أهل القرية جميعًا إلا النساء والأطفال . أما النساء فيكرهنه لأنه يزجرهن عن بئر المسجد ، ويمنعهن من ملىء الجرار منها بقسوة وغلظة ، حتى ينقلب صوته الحنون عند محادثتهن إلى صوت أجش خشن مرعب أحيانًا ! والقرية لا تستغنى عادة عن ماء البئر خصوصًا زمن الفيضان، عندما يصبح الماء عكرًا نصفه طين . وكم تغفلنه مرارًا ، وهو الأعمى ، وهن النجل العيون ، على أن سمعه المرهف دائمًا كان يغيظهن أشد الغيظ !! فإذا أدلت إحداهن الدلو فى البئر وحركت « الجبيذ » ( البكرة ) وهو خشبى يحتاج للسقى بالزيت ليحبس صوته فى جوفه ، صر هذا ، فيمد الأعمى قامته ويقول بصوت جاف :
« مين ؟ »
فيتركن الدلو والجرار ويرحن يقعقعن الحلى ، ويطرن على وجوههن هاربات ، وقد تقع احداهن على وجهها ، فتخوض فيها الأخرى من فرط الرعب ، ويقمن وجلات مذعورات ضاحكات أيضا ، على أن هذا لم ييئسهن من البئر اليأس كله ، فهن يعلمن أنه يتروح بعد العشاء ، فإذا بصرن به خارجا من المسجد انطلقن إلى البئر وهن راجفات أيضا ، فشد ما كانت تخيفهن عصاته الغليظة وإن كانت لم تصافح احداهن حتى الآن .
ومن هنا نشأت العداوة بينه وبينهن واشتدت مع الزمن وتمكنت على الأيام .
أما الأطفال فكانوا كلما بصروا به على الجسر ، وهو فى طريقه إلى منزله، تقوده عصاته ، وصدره إلى الأمام ، وسمعه مرهف ، ورأسه مستو ، وقامته منتصبة ، وخطواته ثابتة متزنة ، جروا وراءه يسبونه ، وقد يحصبونه بالحصى أو يرمونه بالحجارة ، وهو صامت باسم لا يلتفت إليهم ولا يكلم أحدا منهم، حتى يقرب من بيته ، وهنا يطلع عليهم كلب للجيران أسود ضخم يربض دائمًا على الجسر ، فينطلق وراءهم حتى يشردهم فى الدروب . وشد ما غاظ هذا الكلب الأطفال ، حتى تسمعهم يهمسون خوفا من أن يسمعهم الكلب « لولا هذا الكلب ابن الكلب ... لكان الأعمى ... » وإن كانوا يقررون بينهم وبين أنفسهم أنه قلما كانت تصيب الرجل حصاة واحدة من كل ما يرمونه به من حصى وحجر .
ولم يكن لهذه العداوة سبب ظاهر فى الحقيقة ، اللهم إلا الطبع الشرير الذى ينزع بالأطفال إلى السوء ، ويحبب لهم أذى الضعفاء من الناس .
*     *     *
تأخر الأعمى مرة فى المسجد حتى زحف الليل ، وتكاثف الظلام واشتد ، فسمع وهو راقد فى ركن من اركان المسجد صوت الدلو فى البئر ، فاستوى على قدميه ، ومشى على أطراف أصابعه كاتمًا أنفاسه ، وصدره يضطرب ، وجسمه كله يهتز ، حتى جاز صحن المسجد وتيامن إلى البئر ، وقلبه واجف. وكان قد خفت صوت الدلو ، ووضح صوت « الجبيذ » فقال لنفسه ، لابد أن امرأة تجذب الدلو الآن وهى مشتغلة به فلا تسمع خطوات قادم .. ووقف برهة ثم صاح بصوت خشن .
« مين ؟ »
فاستدارت المرأه وحملقت فى الظلام . أواه ... إنه سيد الأعمى على مدى ذراعين منها ، ورمت الدلو وأذهلها الموقف المرعب عن إبداء حركة ما ، فوقفت فاغرة فاها ، ثم أسعفتها غريزة الهرب بعد ثوان ، فولت هاربة ، فسمع وقع أقدامها فجرى وراءها ، وسمعه إلى خطاها ، وجرت حتى جاوزت المسجد ، وبودها لو تصيح بأعلى صوتها ، ولكن من أين لها القوة على ذلك؟ وكيف يطاوعها الصوت ؟ وعثرت قدمها بحجر فى الطريق ، فكبت على وجهها مذعورة ، وأنت عند ذلك أنة قوية ، فجرى على الصوت وأهوى بيده العمياء ولمس كتفها ، وكان قد بلغ منه الجهد فوقف يلهث ويده ممسكة بكتفها ، ثم أنزل يده حتى قبض بعنف على رسغها ، وقامت المرأة متراجعة ، تود لو تفلت منه بكل ما تستطيع من قوة ، ولكنه ضغط على يدها بشدة ، وتحسس بيده الأخرى وجهها وقال فى صوت متزن :
« جميلة ... ؟ »
« .......... »
ووقفت المرأة صامتة تهتز وترجف
« لم لا تنادينى لأملأ لك الجرة ؟ » .
وقد رق صوته جدًا ، فدهشت من تطور حاله وصمتت .
« لماذا ؟ »
فشجعها صوته اللين وأجابت :
« إنك لا تسمح لأحد بالدنو من البئر ... فكيف أناديك ؟ »
« ليس لواحدة أو اثنتين .. وإنما عندما تجئن بالعشرات فتقطعن الحبل ، وتمزقن الدلو ، وتهشمن خشب الجبيذ ... فى البلد أكثر من أربع آبار قريبة، فلماذا تجئن إلى هنا دائمًا ... ؟ »
« لأن هذه أعذبها ماء ... »
« هذا الماء العذب كثيرًا ما ينزح ... »
« النيل فى فيضانه والماء كثير ... »
« أجل ... أ .. أ .. ولكن ... أملأت الجرة ؟ »
« نصفها .. »
« سأ كملها لك »
وانقلب إلى البئر ، فمشت وراءه مطمئنة ، وأدلى الدلو وهو يحس بعض الاضطراب ، فأخذ يدير الجبيذ بسرعة ليملأ لها الجرة ويصرفها عنه ، ويبعدها عن وحدته وسكونه .
وقال وهو يفرغ الدلو بصوت خافت لين المخارج :
« إذا جئت مرة أخرى ... نادينى لأملأها لك . »
« كتر خيرك . »
وساعدها على حمل الجرة ، وانطلقت بها إلى بيتها ، ووقف ينصت إلى هزيز الريح القوية فى الحقل البعيد .
*     *     *
وأخذت جميلة بعد هذه الليلة تتردد على البئر دون خوف أو وجل ، كانت تجىء فى كل يوم مرة ، عند مطلع الفجر أو بعد آذان العشاء ، لأن زوجها لا يسمح لها بالسير فى طريق القرية إلا بعد أن ينام الناس ، وتنقطع الرجل .. فهى فتاة فى رونق صباها رائعة الحسن غضة العود وزوجها يخشى عليها العين ! ولا يحب لها ملاقاة شبان القرية الذين يقفون على رأس الطريق فى ساعات معينة من النهار ! وكانت تقابل سيد الأعمى فى غالب الأوقات التى ترد فيها البئر ، وكثيرًا ما أترع لها الجرة ، وأعانها على حملها ، أو ملأ لها الحوض الصغير الذى على يمين البئر لتغسل وجهها ورجليها قبل ذهابها إلى بيتها ، وكانت تطوى كميها إلى مرفقيها ، وتحسر شالها عن شعرها ، وترفع ثوبها إلى ساقيها وهى منحنية على الحوض تغتسل . كانت تفعل ذلك ، دون خجل أو حياء لأن سيدًا أعمى .
واستراح سيد على مرور الأيام لمحضرها حتى أصبح يشعر فى الأيام التى تتخلف فيها بالانقباض والوحشة ، كان يحس ، من أعماق نفسه ، أن شيئًا ينقصه . شيئًا يستريح معه ، وينشرح له صدره ، وتنتشى حواسه ، وتهدأ ثائرة أعصابه .
وكانت جميلة تدفعها غريزتها أول الأمر إلى الخوف منه واتقاء شره كرجل، بصرف النظر عن كونه أعمى ، ولكنها ما لبثت ـ بعد الانفراد معه مرة ومرات ـ أن استراحت واطمأنت ووثقت من عفته وخلقه ، حتى كانت تخرج معه إلى حد المداعبة ، كأن تخفى عكازه ، أو تخلع الدلو ، أو تقطع الحبل، أو ترشه بالماء ، وكان يضحك لهذا حتى يرقص قلبه ، ويلوح لها بعصاته مهددا .
على أن هذا التآلف الذى أصبح بين سيد وجميلة ، لم يشجع غيرها من النساء على القرب من البئر ، لأنهن كن لا يعلمن بتغير حاله ، وإن علمن لا يصدقن . ولم يكن هو يزجرهن عن البئر ، ويمنعهن من ملىء الجرار منها ، لأنه كان يخاف على الماء فقط ، بل لأن شيئًا خفيا فى أعماق نفسه ، كان يدفعه إلى النفور منهن وإبعادهن عن جوه .. دافع باطنى عجيب كان يخرجه عن هدوئه وسكونه ، عندما يسمعهن يتحدثن على الماء أعذب حديث وأرقه، كان يرجف له ويضطرب ، وهو الرجل وهن النساء .. شعور باطنى غريب كان يحمله على فعل ذلك ولم يستطع تحليله ولا تعليله ، وهو الجاهل الذى لم يذهب إلى المدرسة ولم يدرس علم النفس . لقد قضى الرجل حياته بعيدًا عن جو المرأة فأخرجها عن دائرة تفكيره ، بعد أن خرجت عن دائرة وجوده ، ولم يعد يفكر فيها مطلقا .. ولم يعد يفكر فيها ولا يحن إلى لقياها ولا يستريح لرفقتها ،
وكان يتضايق حتى من وجود أم سيد معه فى منزل واحد ... وإن كان ينام بعيدا عنها ، ولا يلاقيها إلا نادرا ـ غالبا فى الأوقات التى كان يرجع فيها إلى البيت مبكرا ليتعشى ـ فكان يتذمر ويضطرب لمحضرها ، وإن كان يعدها أما . كان يرجف لوجودها معه ويحس بروحه تثور ، لأنه ما كان يحب أن يتصورها جالسة أمامه ترقبه وهو يمضغ الطعام ، ويقطع الخبز بأسنانه . وكان لا يعود لهدوئه وسكونه إلا بعد أن يتنفس الصعداء فى قاعته .
ولما اعترضت جميلة طريقه ، أول مرة ، كان يحمل معه عصاته ليضربها ، ولكنه لما سمع صوتها عن قرب ، ووقف عند رأسها ، وأمسك بيده رسغها ، وصافحته أنفاسها ، تراجع وأيقن أنه أمام مخلوق لا يستحق الضرب ! .
وأخذ بعد ذلك يترقب حضورها ، ويتأخر فى المسجد عامدا ليعينها على حمل الجرة ، ويملأ أذنيه من صوتها .
*     *     *
بقى الأعمى فى المسجد بعد أن فرغ المصلون من صلاة العشاء بساعة ، ثم مشى إلى جانب المنبر فتناول عصاته وأم الباب ، ولما بلغ عتبته سمع صوت الدلو فى البئر ، فنصب قامته وأرهف سمعه .. لقد جاءت جميلة على عادتها ، ولكنها متأخرة قليلا هذه الليلة ، واستمر واقفا وسمعه إلى الماء المتقاطر من الدلو كدفعات المطر غب سحاب ورعد ؛ ثم أنقطع صوت الماء ، فادرك أنها ملأت الجرة ، فدفع الباب وخرج ، ومضى تحت جدار المسجد خطوات ... ثم توقف عن سيره وأخذ يفكر ... ثم ارتد إلى حيث كان ، حاثا الخطى كأنما يسوقه سائق .. وعطف على البئر ، وقلبه شديد الخفقان .
« جميلة ... »
« نعم ... »
« أملأت الجرة ؟ »
« أجل ! »
« وذاهبة إلى البيت ؟ »
« أجل . »
وكانت الجرة على رأسها ، وقد تهيأت للسير ، فاستدارت ووقفت ..
ومد عنقه وقال :
« سأروح معك من غرب البلد ... لأن كلاب الشيخ عبد الكريم عادت من العزبة ... وهى تقطع على الطريق »
« هيا ... »
ومشيا صامتين ، والليل ساكن والقرية نائمة ، والظلام مخيم ، حتى أحس بأنفاسه خلصت ، فأدرك أنهما خرجا إلى الخلاء . وبعد خطوات سمع حفيف الريح فى عيدان الذرة فأيقن أنهما قربا من الحقول ، وسأل وقلبه يرجف :
« أوصلنا بستان الشيخ حسين ؟ »
« قربنا ... »
ولم يكن ألف هذه الطريق ، وإن كان يعرف أن هناك قناة صغيرة تمتد بين البستان وحقل الذرة وعليهما أن يعبراها لينحدرا منها إلى جنوب القرية ، ثم إلى حيهما . وكان منذ أن غادر البئر ، واقعا تحت تأثير خواطر عاصفة ، اشتعل لها رأسه ، وجاش صدره ، فكان يتخلف عنها قليلا ويجعلها تتقدمه خطوات ، فهذه هى المرة الأولى الذى ينفرد فيها مع امرأة فى ظلام الليل وسكونه ، على أن تخلفه عنها لم يخفف من حاله ، بل على العكس من ذلك ، كان يفسح المجال لوضوح رغباته وتركزها وأخذها السبيل عليه ، فمضى وراءها والاضطراب يعصف بقلبه وصدره وكيانه ، حتى وصلا القناة فدفع لها عصاه ، ونزل وراءها فى الماء ، وغاصت أقدامهما فى الوحل ، وخرج ينفض رجليه فى العشب الممتد على حافة الحقل . وأنزلت هى جرتها وانحنت على الماء تغسل رجليها ، ثم انتصبت تصلح ثوبها ، وهو واقف خلفها يفتح رئتيه وصدره لهواء المساء العليل ، ويحاول أن ينحى عن رأسه الخواطر العاصفة التى ألهبت أليافه وهيمنت على كيانه .
وواجهته وقالت بصوت ناعم :
« ناولنى ... »
فمد يده إلى الجرة . فلمست يدها ، فكأنما لامسه لهب كاو ، فوقف ويده تلاصق يدها .
ثم أمسك بيدها ورفعها عن الجرة ، حتى استطاع أن يقبض عليها بقوة ، فمدت وجهها مشدوهة وقالت وصوتها يرتعش :
« ناولنى ... »
فرفع يده إلى ذراعها وضغط ، وقد أحس بألياف لحمه تلتهب .
« نـ ... ناولنى ! . »
فأبقى يده ضاغطة على ذراعها ، وهو واقف يتردد .
« ما الذى تريده منى ؟ »
فلم يقل شيئًا . ثم مال عليها وضمها إلى صدره وضغط على جسمها فتراخى ، وحملها على ذراعيه بسرعة ودخل بها حقل الذرة ...
*     *     *
مشت جميلة إلى بيتها خائرة القوى ، مرضوضة الجسم ، ذاهبة اللب ، وقد اسود فى نظرها الوجود ، واحلولكت الدنيا .. مشت ذاهلة ساهمة لا تحس بشىء مما حولها ولا تعرف إلى أين هى ذاهبة .. على أن رجليها كانتا تقودانها، بحكم العادة ، إلى بيتها . مشت تحملق فى الظلام ، وهى والهة مرتاعة ترى بعد كل خطوة شبحًا ، وتتصور عند كل قدم حفرة .. لقد فعلتها.. مع من ؟ مع سيد الأعمى ... لقد ساقتها قوة أزلية إلى الهاوية ، لقد حملها المقدور الحتم إلى الوحل .. لقد جرفها التيار ، فغاصت فى الوحل إلى ساقيها.
إننا نسير فى الطريق مسوقين بقوة أعلى منا وأقوى ، قوة جارفة لا نستطيع ردها ، ولا نقوى على دفعها ، تسوقنا فى الظلام إلى المصير الحتم ... لقد غدت جميلة ، فتاة الريف العفيفة الطاهرة ، المرأة الدنسة القذرة التى غاصت بقدميها فى الوحل .. سيظل الوحل عالقًا بها دائمًا ، وإن غسلت رجليها صباح كل يوم ومسائه ، سيظل الوحل عالقًا بها أبدًا .
ستذكر دائمًا أن قوة خفية ساقتها ، بمحض إرادتها ، إلى الوحل ، قوة أعلى منها لا تستطيع فهمها ولا تحاول فهمها ولا تعليلها . هذه القوة الخفية الأزلية تعمل دائمًا من وراء الحجب ، تعمل أبدًا من وراء الغيب ، وتسوقنا إلى المصير المحتوم .
ستذكر جميلة ، الفتاة الريفية الجميلة المزهوة ، أن قوة خفية ساقتها إلى البئر ، لتقودها إلى الأعمى ، ولتجرفها إلى الحقل .
لا لذه ولا متعة ، ولا إحساس بشىء من هذا كله ، ولكنها استسلمت ورضيت ، لأنه حكم عليها بأن تستسلم وترضى .
لا إحساس بنشوة ولا شعور بمتعة ، وإنما مر كل شىء كالعاصفة الهوجاء وهى تلف كل شىء لفًا .
لما فتحت عينيها على الدنيا الرحيبة الباسمة ، من قبل ، كان كل شىء قد تغير ، كل شىء قد تغضن وأربد وعلته غشاوات ، ولفه السواد فى جلبابه ، وطوته العاصفة الرعناء فى طياتها ، كل شىء قد انمحى من باصرتها ومات وذهب مع العاصفة ، وبقيت ظلمات يأخذ بعضها برقاب بعض ... وعليها أن تسير فى جوف الظلام وتمضى .
ستطلع شمس الصباح الجميلة على القرية الوادعة ، وستقابل القرويات ، وستتحدث وتبتسم وتضحك ولكن بأى وجه ؟ وأى لسان ؟؟ وستقابل الزوج ، عندما يطلع النور ستواجه زوجها وتقف أمامه ، ولكنه لن يعرف شيئًا ولن تعرف النسوة شيئًا ، ولكنها مع هذا ستشعر بالخجل وتغض الطرف وتنكس الرأس ، وهى الجميلة المزهوة التى تعلو على أقرانها ولداتها .
ستسير فى القرية مطأطئة الرأس ، خافضة الطرف ، لا تستطيع أن تقابل نظرة امرأة بمثلها .. ستفعل ذلك ما دام الإحساس بالجريمة يلازمها ، وإذا ما بارحها هذا الإحساس ستنسى ، ولكنها لن تستطيع أن تنسى كل شىء . ستذكر دائمًا أنها فعلت ذلك بمحض إرادتها ، وكان عليها أن تقاوم ، وتمزق الثوب وتشق الجيب وتملأ الدنيا صياحًا . إنها لم تأخذ شيئًا ، لم تأخذ شيئًا مطلقًا ، وأخذ الرجل كل شىء .
ولن تذهب إلى البئر بعد اليوم ، لا فى الصباح الباكر ، ولا فى الليل الزاحف ، لا وحيدة ولا برفقة أحد ، كل ما توده الآن هو أن تنسى ، هو أن تحاول أن تنسى . كل شىء فى الحياه يتغير فى ساعة ، يتغير فى ساعة أزلية مسطورة فى صفحة حياتنا . لقد غدت الفتاة المشرقة الضاحكة الناضرة ، المرأة المشوهة المنكسرة الواجمة .. بعد ساعة مرت كالعاصفة .
فتاة الريف لا تزال بخلقها البكر ، لا يزال ضميرها حيا ، لم تخدره بهارج المدينة الكاذبة ، إنها لا تزال ترى الأشياء على حقيقتها . لا تزال بطبعها البكر ، طاهرة نقية ، قوية الإيمان عفيفة الأزار ... تستهول الجريمة الجنسية ، وتستفظع الخيانة الزوجية ، وترجف حتى من مجرد التفكير فيها . هكذا شعورها بفطرته ، تعرف من غير معلم ولا مدرسة أنها خلقت لرجل واحد ليس إلا . رجل واحد يأخذ منها قلبها وجسمها ، ويستغرق تفكيرها ووجودها ، وتدفعها فطرتها على أن تكون له أبدا . أما إذا زلت قدمها ، وجرفها التيار إلى الوحل مرة ! فما الذى تفعله ؟ . تحاول بكل ما تستطيع من قوة أن تنسى ... لأنها لو ذكرت ، ربما عاودتها مع الذكرى أشياء لا تحبها ، ولا تود التفكير فيها .
ولما أشرفت على الجسر الذى ستنحدر منه إلى حيها راعها نباح الكلاب الشديد ، إنها لم تنبح بمثل هذه الشدة مطلقا ، إنها تطارد فى ظلام الليل أشباحا مخيفة تروعها ، وأحست بوخز الابر فى جسمها ، أخذ جسمها يرتعش ، ومع الرعشة برودة الثلج . فمالت إلى جدار قائم فى الطريق واعتمدت عليه دقائق . ولما رجعت لها بعض قوتها استأنفت سيرها ، وتقدمت تسحب رجليها سحبا ، وقد آب لها بعض حسها ، على أن جسمها كان يشوكه مثل الشوك دائما . وأخذت عينها الترعة ، وماؤها يتدافع ويجرى . وقد تراقصت الصور فى مخيلتها واختلطت ، بعد خطوات ستصل المنزل وتلاقى زوجها . وحدقت فى الماء وهو يجرى متدفقا منطلقا كالسهم ، لا شىء يقف فى طريقه ، يجرف معه دقيق الحصى والتراب ، ويحمل على متنه خفيف الريش ، لقد حملها التيار ، إلى أين ذاهبة ؟ إلى أين ذاهبة ؟
ما الذى سيحدث لو علم زوجها ؟ سيذبحها كما تذبح الفروج . ليس أيسر على الريفى من ذلك فى سبيل عرضه وشرفه ، وهو ثروته الباقية على الأيام . ماذا يحدث لو علم لداتها ؟ ، ما الذى سيحدث لو علم أقرانها اللاتى تزهو عليهن بجمالها وتشمخ . سيمزقنها بألسنتهن وستغدو حديثهن فى كل سمر ، ومتعتهن فى كل مجلس . ما الذى سيحدث لو علم أهلها ؟ أخوها أقوى شباب القرية سيدفنها حية ، كما دفنت ناعسة ومبروكة وعزيزة ، من فتيات القرية اللواتى حامت حولهن الشبهات ، وعفى عليهن الآن ذيل النسيان ، فلا يستطيع أحد أن يذكرهن لأن فى الذكرى جريمة ... حتى ذكراهن عند القروى جريمة .
ونزلت من الجسر إلى الدرب الذى فى نهايته منزلها ، ومشت مستريحة إلى الظلام المتكاثف ، كل ما توده الآن هو أن تسير فى جوف الظلام متقية به أعين الناس . لقد مشت على الجسر راجفة مروعة تخاف أن يبصرها خفير الدرك ، ولكنها الآن فى جوف الظلام آمن وأسلم .
وتقدمت فى الدرب متخاذلة متثاقلة تحس الأرض تنشق تحتها ، تصعد أكوام الرماد الملقاة عند أبواب المنازل وتهبط معها ، وهى تتصور أنها ترقى تل الصحراء . ولما بلغت باب البيت وقفت لحظات ... ثم تجاسرت ودفعته .
وكان زوجها نائمًا على السطح فانتبه على حركة الباب ، وصاح بصوت جاف :
« تأخرت ياجميلة ... »
وكان صوت زوجها يرعد . أواه ظنته نائمًا فإذا بعينه ساهرة . فلم تجب ، وغضت رأسها ووقفت فى صحن البيت جامدة . ولو بصر بها زوجها لرأى أغرب صورة . ولم ينتظر جوابها فصمت ، ثم قال بعد مدة :
« اسقى البقرة واعلفيها ... »
ومضت فترة قصيرة سمع بعدها بكاء عاليا فسأل بغضب وقسوة ، فأسخف ما فى نظر القروى بكاء امرأة :
« ما الذى جرى ؟ »
فلم ترد ... وزاد نحيبها .
« ما الذى جرى ؟ »
وانتصب وأطل على صحن البيت .
« ما الذى جرى ؟ »
« الجـ .. الجر ... الجرة .. آه .. اهىء ... »
« كسرت ؟ »
« أجل .. آه .. اهىء »
« وهى تستحق كل هذا البكاء ؟ ... كفى ! »
« آه .. اهىء .. آه .. »
« كفى ... » بصوت راعد
فحبست زفراتها وغيضت عبراتها ودفنت وجهها فى حجرها ..
ونام الزوج وشخر !
*     *     *
زحف الأعمى إلى المسجد قبل الفجر وهو متخاذل الجسم متسعر الجمجمة ، وكانت قد ساورته فى الليلة التى خلت حمى شديدة تصبب لها عرق يملأ . القرب ، وبات ليلته يتقلب على مثل الشوك ، ويود من فرط الحمى المتأججة فى جسمه من يقذف به إلى اليم . بيد أنه تحامل على نفسه لما لاح النور ومشى إلى المسجد متوكئا على عصاه ، فما من الأذان بد . أجل ما من الأذان بد ، كيف يغفل عن آذان الفجر !
وصعد إلى سطح المسجد ووقف ناصبا قامته مادًا عنقه ، ويده على الساعة يتحسس بها العقرب ، حتى حان وقت الفجر فوضع يده عند أذنه وانطلق...!! ولكن ما هذا ؟ ما الذى جرى ؟ لقد اختنق صوته واحتبس ، وأصبحت الحروف تخرج من حنجرته مصفرة عاوية عواء الذئب . ما الذى حدث ؟ ما الذى جرى ؟ حاول مرة ثانية فأخفق . وتمهل لحظة ، وحاول مرة ثالثة ، فأخفق أيضا . وهبط إلى صحن المسجد ، وهو يهتز اهتزاز القصبة الجوفاء فى مهب الريح العاصف ، وتقدم حتى وقف على رأس رجل نائم .
« شيخ على ... شيخ على ... »
« نعم ... »
« قم لتؤذن الفجر .. فصوتى لا يطاوعنى اليوم ... أصابنى البارحة برد شديد ... »
وبارح المسجد قبل مطلع الشمس ، وسار على الجسر حتى بلغ الحقول المجاورة ، وكان قد نال منه التعب ، وبلغ منه الجهد ، فاستراح تحت شجرة من شجر السنط ، وضربه هواء الصباح على أذنه فنام حتى القيلولة ، وقام وقد حميت الشمس وتوقدت الهاجرة ، وانقلب الهواء راكدًا خانقًا يلفح الوجوه بوهج السعير . واستوى على قدميه وأمسك بعصاه واتجه إلى القرية ، وكل شىء فيها ساكن وادع إلا الأطفال ، الذين لا يقيمون للجو وزنًا ولا يبالون بحر أو برد .
« أحمد ! .. سيد الأعمى »
« صحيح ؟ ... »
« والنبى ... »
وتجمع الصبية على الجسر ، ووقفوا صامتين وعلى شفاههم بسمات خفيفة، حتى جاوزهم الأعمى ، وهو يسير سيره المألوف . ولما بعد عنهم قليلا، رماه أصغرهم بحصاة استقرت عند صدغه . ما هذا ؟ لقد أصابته للمرة الأولى أول رمية من أصغر صبى ، ما الذى جرى ؟ وانهالوا عليه بعد ذلك يدا واحدة ، حتى أمطروه وابلا من الحصى والحجارة . فاستدار لهم الرجل ، وقد تميز غيظًا ، ولوح بعصاه يهدد ويتوعد ، فتفرقوا عنه واستأنف سيره بعد برهة قليلة ، واستأنفوا هم بدورهم حصاهم وحجارتهم ، فما أقل الصبر عند الأطفال ، وأصابه حجر فى الجانب الأيسر من صدغه فشجه وسال الدم . وآلمه الجرح جدًا حتى خرج به عن رشده ، فدار على عقبيه وجرى وراء الصبية يضرب بعصاه يمينًا وشمالا ، ولا يبالى أين تقع وتصيب ، وهو مخبول تمامًا ، حتى أصابت ضربة قوية صبيًا فى رأسه فجرحته جرحًا بليغًا ، ونزا دمه الأحمر فلطخ وجهه . وكان الكلب رابضًا على الجسر فى ظل جدار لمنزل خرب . وعينه إلى المعركة التى حميت واشتدت ، فقام ينفض جسمه نفض الليث ، وتوثب وثبات جامحة ، ثم دار دورات سريعة يقذف فى خلالها الهواء بغبار رجليه ، ثم انقض على الرجل فمزق الجزء الأمامى من ثوبه ! وطار به ، والصبية تبصر هذا ولا تكاد تصدق . وشجعهم الكلب على معاودة الكرة على الرجل فانهالوا عليه ، وقد حموا ونشطوا ، يرجمونه بالحصى والحجارة ، حتى انطلق الرجل يسابق الريح .. وما زالوا يتبعونه حتى أجلوه عن القرية ، ولما كلت سواعدهم رجعوا إلى القرية ضاحكين . وانطلق هو يجرى كالمخبول لا يلوى على شىء .
*     *     *
وبصر القرويون فى صباح اليوم التالى وهم فى الطريق إلى سوق «المركز» بحثة ملقاة على قارعة الطريق ، ومنهم من قال أنها لسيد الأعمى ، ومنهم من أنكر ذلك .
على أن الذى نحن على يقين منه أن الرجل لم يدخل مسجد القرية بعد ذلك .. أبدأ

صوت الدّم
كانت الطريق بين مزرعة صالح وقرية « ك » طويلة وموحشة ، وكان بعض الفلاحين العائدين من المزرعة بعد الغروب يتحاشونها ويسيرون فى طرق كثيرة بين المزارع . على أن الذين كانوا يتروحون بدوابهم ، وهم غالبية الفلاحين ، كانوا يضطرون مجبرين إلىّ اتخاذ الطريق البعيدة لأن أرجل الدواب تفسد الزرع والنبت ، كانوا يمشون فى سكة معبدة بين الحقول ، حتى يبلغوا ترعة الجرف ، فينحدرون إلى قاعها ، ويصعدون منها مستوين على جسر القرية ، ويدورون مع الجسر العتيق البالى حيثما دار ، مجتازين بساتين النخيل والأعناب ، وأشجار السنط حتى يدخلوا القرية مع العشى ، وهم لا هثون مكدودون ؛ من ثقل البرسيم على ظهورهم ، ومن فرط ما يلاقونه من إعنات البهائم النافرة التى تظل طول الطريق تضرب بحوافرها الأرض وتقطع الجسر فى خطوط حلزونية وهى تخور وتصهل وتهدر فى مرح ونشاط ، لأنها شبعت من خير الأرض ، وشربت من ماء النيل ، واستدفأت بحرارة الشمس ، وقضت النهار كله فى جو بهيج طلق .
وكان الفلاحون الذين يسوقون الدواب من الحقول من فتيان القرية الأشداء الذين ألفوا سير الليل فى الليالى الظلماء ، ومع هذا فقد كان عمدة القرية يهون عليهم وحشة الطريق بإخراج خفيرين من أحسن الخفراء يتطلعان ويعسان على الجسر ، وبعض الأحيان يواصلان السير حتى المزرعة .
وكان من بين الفلاحين الذين يتخذون طريق المزرعة الطويلة الكثير من الغلمان . وكان هؤلاء أسبق أهل المزرعة إلى الرواح . كانوا يبدأون فى حش البرسيم عندما تميل الشمس نحو الأفق ، وتقرب من قرن الجبل ، وترسل أشعتها الصفراء على الحقول ، ويكومونه خارج الحقل ، ثم يضمونه فى حزم صغيرة يربطونها بسيقان الزرع اللين ، ويحلون الدواب من أوتادها ؛ ويضعون على ظهورها الخيش الثقيل ليقيها برد الشتاء ، ويوثقون أفواه البهائم النافرة بكمامات من الليف المحكم الفتل ، ويحملون ظهور الحمير والجمال بالبرسيم، ويرسلونها فى الطريق وهم وراءها يحثونها بالعصى ، ويغنون على وقع حوافرها الغناء الريفى الحزين .. كانت أصواتهم الحلوة ترن فى سكون الغسق ، وتدوى فى جوف الليل ، فيهتز لها الزرع ، ويغنى الطير ، وتنحنى لها أعناق الأبل وتسكن البهائم الهائجة ، ويحمل الهواء الرخى صداها إلى القرية، فترقص لها قلوب الأمهات طربا ، ويرحن يهيئن العشاء من العصيد والفت لأفلاذ أكبادهن القافلين من المزرعة .
وكان الفتيان وهم يدخلون القرية مع العشى لا يحسون ، مع طول الطريق، بتعب ولا نصب ، ولا يشكون من سوء الحال ، ولا يعرفون المصير . كانوا يقطعون الطريق ضاحكين صاخبين ، كانوا دائما يضحكون للزمن ويبتسمون للحياة ؛ ويقضون النهار فى الحقل يلعبون « الطرطقة » والكرة الليف ، ويأكلون الخبز الأسود بالحلبة والجبن ويشربون من لبن الضأن ، ويشعلون فى بكائر الصباح النيران فى أطراف الحقل ، ويجلسون حولها يتحدثون ويتندرون ويفيضون بأعذب الأقاصيص والسير ، ويذكرون لياليهم المقمرة الممتعة ، والزمن رخى ، ووجه الحياة بسام .
وإذا بلغ الفتيان القرية ، وقربوا من شجر السنط القائم فى شماليها انحرف الساكنون منهم فى شرق البلد عن الجسر ، وواصل الذين يقيمون فى أقصى القرية وغربيها سيرهم فى الطريق ، ثم تفرقوا طرائق على رأس الدروب ، وعصيهم تعمل بحمية ونشاط على ظهور الحيوانات الثاغية الراغبة .
وكانت القرية تظل النهار طوله فى صمت ووحشة وسكون ؛ حتى تغرب الشمس ، ويهل عليها الغلمان من الحقول ، فتعود إلى حياتها ونشاطها ومرحها ، فلا تسمع إلا صهيل الجياد وخوار الأبقار ، وهدير الإبل ونباح الكلاب ، وصوت العصى على الدواب الهائجة لتستكين فى مرابطها ، وتستنيم إلى الحظائر الضيقة بعد الحرية المطلقة فى الخلاء .. وبعد صلاة العشاء ، تحلب البهائم ، وتعود القرية إلى سكونها وصمتها .
وقل ما كان يتأخر الفتيان فى المزرعة إلى ما بعد الغروب إلا فى الليالى التى يبكرون فى صباحها إلى المدينة بائعين البرسيم ، ومع هذا فما كانوا يشعرون وهم راجعون فى الطريق بخوف ولا رعب ، ولا يرهبون شيئا من عوادى الليل ، لأن القرية مع وقوعها فى صميم الصعيد ، وبجوار قرى تكثر فيها جرائم القتل والنهب ، آمنة مطمئنة وأهلها وادعون مسالمون .
تأخر الفتى نعمان فى ليلة من الليالى فى المزرعة ، لأنه اشتغل وحده بحش ثلاثة أحمال من البرسيم للسوق .. وكان غلاما فى السابعة عشرة من عمره ، أسمر فى حمرة حديد البصر مديد القامة ، محبوبا من رفاقه ولداته ... وهو وحيد أبويه .. رجع نعمان وحده فى سكون الليل إلى القرية ، وتحته أتان مهزولة ؛ وأمامه دابتان قويتان .. بقرة حمراء ، وجاموسة سوداء فتية من خيار الجاموس ، مشهورة فى القرية بلبنها وسمنها ، وما تدره على أصحابها من خير عميم ، وكانت مع طيب عنصرها جافلة نافرة ، فأخذ الغلام رأسها وشد عليه .. وحمل أتانه بالبرسيم ، وساق البقرة أمامه ، ومشى فى غلس الليل وحده شاعرا بالسكون العميق والظلام الشديد .
ولم يكن من عادة نعمان التخلف عن رفاقه فى المزرعة ، ولهذا شعر فى هذه الليلة ببعض الخوف والذعر ، وكان اليوم على خلاف الأيام غائما مقرورًا كثير السحب ضرير النجم ، خيم ظلامه قبل الأوان ، وضرب العشى بجرانه على الحقول والمزارع ، وذاب الشفق الأحمر فى سواد فاحم سد عرض الأفق . وهبت الرياح شديدة قوية فترنح لها الزرع ؛ وحف الشجر القائم على جوانب الطريق ، وكان أرهب ما يخشاه نعمان ، على الرغم من أنه الريفى القح ، مروره بالدواب فى فحمة الليل ووحشته على البساتين ، فكان يتصور وراء كل نخلة من نخيل البستان لصًا قائما يترصد فكان يرتعد لهذا ويرتجف فوق الأتان ، ويقبض بيده على زمام الجاموسة ، ويحث البقرة على الاسراع فى صوت خافت جازع .. واشتد الظلام وغرقت القرى فى لجته ، وأصبح نعمان لا يرى أبعد من مواضع حوافر الدواب ، وكان وهو يرفع نظره إلى الأفق ، ويرتد به إلى الحقول المجاورة ، يرى السنة نيران تشب ثم نحبو فى المزارع البعيدة .. وكان لومضها ولمعانها فى جوف الظلام ، منظر مرهوب ؛ ترتعد له الفرائص رعبًا . وكانت البقرة لا تسير على جانب واحد من الجسر ، وإنما أخذت تميل إلى اليمين مرة وإلى اليسار أخرى ، وترك نعمان حبلها على غاربها ... مد لها طرف الحبل كلما تياسرت وقربت من النيل .. وأخذ يرقب قلوب المراكب البيضاء ، وهى لبياضها فى سواد ما هنالك نور يتألق ، ثم يسمع بين الفينة والفينة مجاديف الصيادين وهى تجزر بزوارقها عن الشط ... وسمع نباح كلاب شديد على العدوة الأخرى من النيل ، بدأ فجأة، واستمر دقائق كاملة ، ثم خيم سكون الرمس ، وبقيت حوافر الدواب وأظلافها تضرب الأرض بقوة وعنف .
وأشرف نعمان على بستان « عمر » وهو نخيل وسنط وأعناب ولبخ يمتد من حافة الجسر ويغوص فى قلب الحقول ، وكان من أكبر بساتين القرية وأغناها بالثمر وأشدها مع ذلك وحشة . لأنه يترك معظم العام من غير حراس؛ ولا يخفره زمن الأعناب والتمر ، إلا شيخ طاعن من الفلاحين ... وأطلت على نعمان فروع النخيل ، وهى تميل مع هبات الرياح وكأنها فى عراك دائم مع أشباح الليل .. فوجف قلبه فرقا ، واندفع الدم إلى رأسه ، ولم يستطع رغم رباطة جأشه أن ينزع عن ذهنه المخاوف المفزعة التى ساورته ، وكان خوفه على الدواب أضعاف خوفه على نفسه بل لم يكن خوفه على حياته يستقر فى بؤرة شعوره إلا إذا تصور القتل على أبشع صوره ... الطعن بالسكاكين والتمثيل بالجسم ، وتمزيقه شر ممزق ثم رميه كأحقر أنواع الكلاب فى النيل ..
وصمت كل شىء حوله ، وبدأ الليل فى هوله مفزعا مرهوبا ، وغاصت الحقول والمزارع فى لجج الليل ، وانقطعت ألسنة النيران البعيدة ، وزادت الثورات النفسية تأججا مشوبة بأقصى ضروب المخاوف ؛ وتياسرت البقرة على عادتها لما حاذت سور البستان ، ولعلها كانت تخاف رهبته كذلك ومالت إلى النور الضئيل المنبعث من النيل . وخيل لنعمان أنه يرى نور سيجارة تومض فى البستان ... ثم سمع صوت انسان ، وزحف أرجل حذرة ، وتقلب بطن كبطون الثعابين . وتحركت بعده أوراق الشجر وتمايلت الفروع.. على أن هبوب الريح فى تلك الآونة بشدة طردت من رأس نعمان فكرة وجود الإنسان اطلاقا ، وبقى مع هذا خائفا يتوجس ، حتى خلصت أرجل الدواب من سور البستان ؛ فتنفس الصعداء ، وأصلح حمل البرسيم المعلق على جانبى الاتان ؛ واعتدل على ظهرها وتهيأ للسير السريع .. وكان مستغرقا فى خواطر لا علاقة لها برهبة المكان مطلقا ... وانحنى الجسر فجأة انحناء شديدًا ، وتمهلت معه الدواب ، وأطل نعمان على جوف الترعة بجانبه ، وكانت قد عمقت وغابت فى أعماق الأرض حتى بدت كالمغاور السحيقة التى يضل فيها انسان العين .. وتلفت مذعورا على صوت أقدام سريعة دوت فجأة ... وأخذته على غرة ضربة نبوت قوية من أشد السواعد وأقواها ، حطت على صدغه ، وانقلب بعدها عن ظهر الدابة يهوى من حافة الجسر إلى بطن الترعة كالحجر الساقط من قرن الجبل ، مقلبًا ظهر البطن ، حتى استقر فى قاع الترعة فاقد الحراك .. وجفلت الجاموسة النافرة ، وانطلقت تسابق الريح إلى القرية . وانطلقت على أثرها رصاصة طاشت عنها ، تبعتها أختها أسد واحكم ، فأصابت فخذها الأيمن ، ونفذت منه ، وخرجت تئز وتدمدم فى الجو . وتقطر الدم من فخذ الجاموسة على الجسر وزادتها الرصاصة هياجا وذعرا .
وقامت على صوت الرصاص الكلاب فى المزارع ، وخف على صياح الجاموسة ونواحها الخفراء والأهالى من القرية ، وخرجوا متفرقين فى المزارع كأشباح الليل الهائجة .
*     *     *
انقطع عبد الحق والد نعمان عن صلاة الفجر فى مسجد القرية واحتبس فى منزله أياما طوالا . ولم يكن مع الذين واروا ابنه فى التراب على الرغم من أنه دفن فى ظلام الليل ، كما أنه لم يتلق تعزية واحدة من انسان ، على عادة أهل الصعيد فى أمثال هذه الأحوال ، وكانت أشق الأشياء على نفسه أن يجر بعد الحادث إلى بيت العمدة ليدلى بمعلوماته إلى المحقق ، وكانت أجوبته على أسئلة هذا موجزة مقتضبة خالية من دلائل الاتهام ، وإن كان ذهنه قد ابتدأ يحصر الجريمة فى أشخاص معينين بالذات ، فقد ذكر شجارا حدث بينه وبين بعض جيرانه فى الحقل كاد يجر إلى أوخم العواقب ، لولا أن مشى بينهما بعض الناس ، وذكر نزاعا بينه وبين بعض المالكين عند ضم المحصول ، استعملت فيه الهروات ، كما ذكر أن الغلام نفسه تشاحن مع رفقائه أكثر من مرة ، وكان آخر المشاحنات غالبا التهديد والوعيد .
على أن القتل لم يكن للقتل بل كان للسرقة ، قتل الغلام الأعزل لأن اللصوص استضعفوه فى ظلام الليل وارادوا سلبه مواشيه وقد فعلوا ..
أخذت هذه الخواطر المروعة تطوف فى ذهن الأب وصورة الجريمة على بشاعتها ماثلة أمام ذهنه . ولم يستطع ، رغم أيمانه المطلق بعدل اللّه ويقينه الجازم برحمة ربه ، أن يتعزى ويتأسى ، فلقد فقد بهجته فى الحياة ، ومتعته فى هذا الوجود .. حشاشة نفسه .. ولده الوحيد القائم على زراعته ، الحارس لدوابه ، الجانى لمحصوله ، ولده النافع .. ولم يستطع وهو الرجل الحديد الأعصاب ، الشديد الأيد ، القوى القلب ، أن يأخذ بزمام نفسه ويضبط جأشه ، بل كان دمه تحت تأثير الصورة البشعة التى مات عليها ابنه يغلى فى عروقه ، ويمزق أعصابه ، ويطير لبه .
وكان الحادث مع وقوع مئات الحوادث من أمثاله فى الريف حديث أهل القرية جميعا ، وكان المغرمون منهم بتصيد الأخبار والإضافة إليها من صناعة وجدانهم يزيدون فى وصف الحادث زياده عظيمة .. وأخذ شيوخ القرية والراسخون منهم فى الإجرام يسترقون السمع ويمدون البصر علهم يهتدون إلى الفاعل ، ولقد كان نعمان أحسن لهم من فلذات أكبادهم وأطوع لهم من أرحامهم . وخطا بعضهم بعد جهود متواصلة خطوات موفقة وكاد أن يزيح القناع عن وجه الجريمة .. لولا أن عارضا تافهًا اعترض فى ذلك الحين فضيع هذه الجهود سدى .
*     *     *
أخذ عبد الحق على مر الأيام يستبشر بالصبر وينزل على حكم القدر فعاد إلى عمله فى المزرعة بنشاط وعزم ، وأضاف على زراعته فدانين من ضعاف الأرض أخذ على نفسه اصلاحهما وتسميدهما ، وكان موسم الزراعة قد حل فى جزيرة القرية وهى على العدوة الأخرى من النيل ، فبكر مع المبكرين فى الذهاب إليها .. بيد أنه كان يتخير فى غدوه ورواحه أوقاتا تختلف عن أوقات الفلاحين .
وكانت أشد الأشياء وقعا على نفسه وأشدها ايلاما لقلبه ، منظر زوجه فى البيت ؛ فقد انقلب كيان الأم بعد أن مات عنها وحيدها ، فذبل جسمها وجف ماء شبابها واصفر لونها ، وتخدد وجهها وبرزت محاجر عينيها .. وكانت المسكينة تنزوى سحابة النهار وطول الليل فى ركن مظلم من البيت ، لا تحادث أحدا ، ولا تخاطب زوجها .. وكان هذا يرى فى بريق عينيها كلما واجهته تعبيرا ناطقًا عما فى نفسها ، وتعنيفًا مؤلما على موقفه كرجل .. على أن الرجل لم يكن مقصرًا قط ، فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر على هذا الحادث المروع فإنه كان لا ينفك يبحث ويتسقط الأخبار ، ويجمع ما يطير من أفواه الناس ، حتى أعياه الأمر وأضناه ، ففتر عن البحث وترك الأمر للأيام وهى وحدها الكفيلة بإظهار الجانى .. فليست حوادث القتل من الحوادث التى يمكن أن تضيع معالمها ويختفى أمرها عن الناس جملة مهما كان القاتل أو السارق من الحذروالحيطة وبعد النظر ، وبراعة الذهن والتفنن فى ضروب الاجرام .. وقد يحدث عرضا حادث تافه ، أو يجرى حديث بسيط أو يقع أمر حقير .. فيزاح ستر الجريمة ويظهر أمرها للناس . والقرويون بطبيعتهم فيهم الصبر وعندهم الأناة . فما يتسرعون ولا يركبون متن الشطط ، ولا يسددون السهم إلى غير قلبه .. ولا يصوبون إلا إذا أبصروا هدفا ، وتراهم فى كثير من الأحايين يدعون القاتل يمرح ويلهو حتى ينسى نفسه ؛ وهم فى الوقت عينه يضيقون عليه الدائرة وينصبون حوله الشباك حتى يقع فى الفخ .
*     *     *
عاد عبد الحق فى ليلة من الليالى من جزيرة القرية متأخرًا على خلاف عادته . فلم يجد معدية القرية فى مرساها وانتظرها حتى عيل صبره .. فأخذ يتمشى على شاطىء النيل عله يجد زورقا من زوارق الصيادين ينقله إلى القرية .. وكانت الليلة ظلماء ساكنة الريح موحشة الصمت فتثاقل فى سيره وأرهف حسه .. حتى سمع صوت مجاديف خفيفة فمد قامته وسدد بصره فى حجب الظلام فبصر بسواد يتهادى نحو الشط فلبث قليلا ثم هتف بمن فى الزورق ، فألفاه يجزر عن الشط بعد أن كان يقترب منه ، وهى حركة طبيعية مألوفة من الصيادين .. الصيادين من سكان المدينة على الأخص ، فهم يرهبون الريفيين ويتقون بأسهم ويتحاشون وجودهم ، ويتصورون أنهم بالإجماع لصوص فاتكون ما يخرجون فى رهبة الليل إلا لتصيد الناس .. وما أسهل من أن يغير فاتك قروى على زورق من زوارق هؤلاء الضعفاء المساكين، فيسلبه سمكه وماله ، ثم يلقى بمن فيه فى النيل !
وابتسم عبد الحق لما رأى الزورق ينقلب على عقبيه ، ويرتد عن الشط .. ثم سار فى طريقه بعد أن صب اللعنات على من فيه .. واتجه نحو السد حتى غابت عنه القرية ، وانقطع عنه نباح كلابها .. وكان قد قرر الرواح حتى ولو بلغ السد ؛ ودار كل هذه الأميال ، لأن تخلفه عن بيته سيبعث الوساوس والشكوك فى نفس زوجته الثكلى ، وربما طير صوابها .. وسمع على بعد صوتا يشبه صوت أقدام تتخبط فى الماء .. فدلف نحو الصوت حتى اقترب منه.. فوجد صيادا يجر زورقا صغيرا ويغالب به التيار الشديد فسر لمرآه ورأى أن يتسلل خفية ، حابسًا صوت أقدامه ، حتى يقترب منه .. فأخذ يتلصص فى مشيته حتى كان بجانب الرجل ، وبادره بالتحية فرد الصياد ، وفى صوته الرهبة ، وعلى ملامح وجهه الجزع ....
فأخذ عبد الحق يحادثه حتى سكن طائره ، واطمأن قلبه ، ثم رجاه أن يعبر به النيل فقبل ، وأخذ يطوى الحبل وفى حركة يديه دلائل التذمر .
وانطلق بهما الزورق وكان الصياد على عكس الصيادين ـ وهم يلزمون دائما جانب الصمت حتى لا تخيب شباكهم ـ ثرثارا كثير الخلط فى الكلام . فأخذ يقص على عبد الحق طرفا من سيره ونوادره ، وحوادثه مع القرويين الذين يتأخرون فى الحقول .. ويطلبون الرواح بعد نصف الليل ، وبطونهم خاوية .. ! واستمر فى ثرثرته الفارغة حتى بلغا منتصف النيل ، وهنا انطلقت رصاصة فى الجو ، وهى تدمدم ... وأزيزها عند آذانهم .
فقال الصياد وهو يشد على مجاديفه :
« دائما الرصاص فى القرى .. دائما الرصاص فى الليل .. لو كنت واقفا لقتلت .. »
فقال عبد الحق وقد نبشت الرصاصة دفائن شجنه :
« عمرك طويل ... ! »
فقال الصياد ضاحكا ، وقد سره أن وجد ما يسل لسان صاحبه بعد طول احتباس وطول صمت :
« أجل .. فعمرى طويل حقا .. لقد مرت رصاصة ذات مرة هنا عند شحمة أذنى .. فأخذت أذنى تطن ساعة .. وكان ابن اللعينة « علام » جالسا فى المؤخرة يضحك .. أجل واللّه كان يضحك والرصاص يصافخ رأسى . وهو رابض كالليث لا يغير جلسته ولا تغيب الابتسامة عن وجهه .. وكانت عيناه تلمعان كعينى صقر يريد أن ينقض على فريسته .. »
وصمت الصياد قليلا ليصلح مجاديفه ثم استطرد :
« وجدنى الملعون على الشاطئ .. فقال بلهجة الآمر وفوهة بندقيته عند أنفى .. هيا اعبر بى النيل مسرعا .. هيا .... وكان الشرر يتطاير من عينيه .. ثم سمعت على إثر ذلك الرصاص يدمدم .. فأدركت أنه مطارد فحركت المجاديف وأنا أنتفض من الذعر .. وكان يقول بصوت أجش .. أسرع ولا تتحدث .. وإلا فأنت تعرف مصيرك .. وبالطبع أنا أعرف مصيرى هناك عند سفح الجبل ! .. ولهذا لم أتحدث بما جرى لأحد ولن أتحدث ... ! »
وانطلق الرجل فى ثرثرته وصاحبه لاه عنه بما يدور فى رأسه من خواطر حتى اقتربا من الشاطىء .. وهنا لمح عبد الحق سوادا يتحرك على بعد .. ثم ومض سيجارة .. فلما كان الزورق على مسافة أمتار من الشاطئ ظهر رجل ضخم الهامة ، بادى الطول ، قد عصب رأسه وأسفل ذقنه بعجار أسمر ، وغطى بندقيته وألواح كتفيه بملحفة لا لون لها .. وكان يتمشى وهو يدخن ، فلما اقترب منه الزورق ، قال موجها كلامه إلى الصائد ، وكان صوته خشنا مرهوبا ؛ كأنه يتردد قبل خروجه من حنجرته فى أعماق بئر ما لها من قرار :
« أحمد ... »
فأجاب الصائد :
« نعم يا علام ... مساء الخير ... من أين .. ! »
« من القرية طبعا ... ! »
« وما الذى تريده فى هذه الساعة من الليل يا أخى .. ؟ »
« أريد الرواح ... هل تتصور أنى سأبات هنا .. »
« لا طبعا .. »
« من معك ... ؟ »
« رجل طيب من القرية عم .. »
فأتمم عبد الحق كلام الصائد :
« عبد الحق .. »
فصمت الرجل ولم يقل بعد ذلك شيئا ، ووقف يدخن .. وكان الزورق قد بلغ الشاطئ ، فنزل منه عبد الحق ، وواجه الرجل ؛ ورأى فى بريق عينيه وملامح وجهه الساكنة الصارمة .. ما ألهب خواطره ولما اقترب عبد الحق منه ضاقت عينا الرجل قليلا ، وتقلصت شفته السفلى بعض الشىء ، وانفرجت أسنانه ، فعل من يهم بالكلام ، ولكنه تراجع وتماسك ، لسانح فى ذهنه ، فابتسم ابتسامة نكراء ، ومر عليه عبد الحق دون أن يحييه .. ولما نزل الرجل فى الزورق ، وقف يرقبه على بعد حتى غاب عن بصره ، واحتواه النيل .
*     *     *
كان الشتاء قد حل والقصب قد نضج واستوى عوده وسمقت فروعه .. وكان عبد الحق فى طريقه إلى القرية ، وقد ترك المعدية ، واتخذ لنفسه طريقا وسطا بين مزارع القصب الكثيرة التى لا يأخذها الطرف كانت آلاف مؤلفة من الأفدنة لثراة أهل البلد وعيونها وهى خير محصول وأجنى ثمر ، وكان الرجل يمضى فى الطريق وحيدا وهو يشخص ببصره من حين إلى حين إلى النيران البعيدة المشتعلة فى أقصى المزارع ، وكان الليل فى هزيعة الثانى والرياح عاصفة ، والبرد شديد قارس ، وحملت الريح إلى عبد الحق صوت كلاب أخذت تنبح بشدة ، ثم خفت صوتها تدريجيًا ، ثم حمى الصوت واشتد مرة أخرى ، وانقطع بعدها فجأة ... فوقف فى مكانه ورمى بصره فيما حواليه ، وقد ساورته خواطر الريفى الذى يعرف لهذا النباح المفاجئ فى جوف الليل سببا ... ولم تكذبه فراسته ؛ فقد أهلت عليه من أقصى الطريق ماشية تساق سراعا ، ما لبث أن تجنب بها سائقوها الطريق المألوف ، وتياسروا بها إلى بطن واد قريب يتجه إلى النيل .. فوقف عبد الحق هنيهة ، وبصره مستقر على الدواب ثم انخرط فى إثرها بعد أن خاف أن يغيب عن نظره .. وسار فى بطن الوادى ثم كمن فى بعض المغاور التى يحفرها الفلاحون لشواديفهم ، ورقب بعينى نسر .. وبعد لحظات مرت الماشية أمامه. وكانت كلها أبقار من بينها ثور ضخم هائج ، قد من أنفه ، وأخذ من قرنيه، وكان على الرغم من الضرب الشديد النازل على ظهره وجنبيه ، لا يغير . خطوته ، ولا يحرك جلده ، وانما أخذ يدفع رأسه إلى فوق ، ويرمى ضاربه بنظرات ينخلع لها قلب الشجاع ، وكانت الأبقار كلما تحولت عن طريق الثور وحادت عنه ، ترد على أعقابها لتكون وراءه دائما .. وتصور عبد الحق أنه يرى بقرته فى هذا القطيع ، رأى بقرة تشابه بقرته ، ولكنها لم تكن غراء مثلها .. نظر إلى هذه البقرة وأمعن فيها البصر وقلبه يزداد وجيبه ، والذكريات المرة تنهش رأسه ، ثم انقلب بصره عنها واستقر على شىء آخر.. على الرجال الثلاثة الذين كانوا يسرقون الدواب ، وعلى واحد منهم على التعيين ؛ وكان يمشى فى المؤخرة بعد الماشية بخطوات ويتطلع من حين إلى آخر إلى الخلف ... تذكر أنه رأى هذا الرجل بقامته الفارعة ولفتاته ونظراته الحاده .. كان هو علام بعينه الذى حدثه عنه الصياد ، والذى التقى به عرضًا فى تلك الليلة التى تأخر فيها فى الجزيرة كان علام فى هذه الليلة صارم الملامح ؛ ولكنه كان خفيف اللفتة قلق النظر ، يتأهب للحوادث ..
ولما قربت الماشية من النيل ، رأى عبد الحق مركبا راسية طاوية قلوعها ، ما لبث أن خرج منها نوتيان عرف أحدهما ، كان هو صاحبه الصياد بعينه...! فنظر عبد الحق إلى هذا الرجل ومرت على شفتيه ابتسامة .. ونزلت الماشية فى المركب دون أن يتبادل الرجال الخمسة كلمة واحدة .. وحدث أن سقطت رجل بقرة من الأبقار بين دسر المركب فتركت كما هى ...
وسارت المركب صوب الجزيرة ، وعاد عبد الحق إلى القرية
*     *     *
وصل إلى سمع عبد الحق ، بعد ذلك الحادث بأيام ، همس يدور على أفواه الناس ... ذلك أن هذه الحيوانات سرقت فى فحمة الليل ، ثم حبست شهورا فى بعض البساتين ، لا تخرج لمرعى ولا تساق لمسقى .. حتى هدأت عنها الألسنة وغفلت العيون .. وهنا سربت على هذه الصورة فى سواد الليل ورحلت مع قطعان كبيرة إلى جهة نائية .. وعلم أيضا أن بقرة واتانا حبسا فى هذا البستان بعينه ... ثم أخذا فى فجر يوم ولا يعلم أحد إلى أين ذهب بهما.. وإن كان يحتمل ـ لأن السرقة صحبتها جريمة قتل ـ إن البقرة ذبحت .. أما الأتان فألقيت فى النيل ، وكان علام هو الذى سرب الدابتين .. وعلى ضوء هذا واصل عبد الحق جهوده فعلم بعد بحث مضن استغرق أياما أن اللصوص كانوا فى تلك الليلة الشنعاء سبعة .. وكانوا يقصدون مزرعة لبعض الثراة .. ثم فلتت من أيديهم الفرصة ، بعد أن علموا فى اللحظة الأخيرة أن الخفراء ساهرون وعلى أتم استعداد .. والتقوا وهم مرتدون خائبون بنعمان عن عرض فوجدها علام فرصة ذهبية سانحة .. وحرض رفاقه.. فرفض منهم عربيان أصيلان أن يسرقا غلاما أعزل ، على صورة دنيئة لا يرتكبها إلا الجبناء .. ووافق على نهبه الباقون .. وكمن له علام وأخذه على غرة ..
وعرف عبد الحق بعد ذلك الشىء الكثير عن علام هذا .. وهو أنه مجرم يسكن عزبة .. «ج» .. ويعيش على السرقة والنهب .. فيترصد التجار العائدين من الأسواق ويسلبهم ما لهم ومتاعهم ، ويفر بغنيمته فى الحقول فرار الثعلب .. وهو مع لصوصيته ، لا يغفل نداء قلبه ، وحاجة جسمه ، فهو يتردد على أرمل من جميلات القرية مات عنها زوجها منذ سنين ، وخلفها وحيده الأهل .. وهى مع جمالها سيئة الخلق عصبية المزاج حادة الطبع .. وكانت فى صباها مطمع أنظار الشبان من الأعيان ثم كبرت وترهل جسمها نوعا ، على ممر الليالى ، فتركها هؤلاء ... وانحط مستواها بعدهم وأصبح لها ولع غريب بالفتيان الأشداء الذين دون العشرين ، وكانت تغريهم وتستحوذ عليهم بكل الوسائل .. وكان يساعدها على هذه الحياة الماجنة بيتها القائم فى طرف القرية منعزلا عن سائر البيوت ، وحوله بساتين كبيرة من النخيل والأعناب .. وكانت مع حياتها الماجنة هذه تتحدث دائما عن سمعتها وشرفها، وتكثر من الترحم على زوجها ... المرحوم !
وكان علام يتردد على هذه المرأة فى بعض الليالى المظلمة ، ويرجع إلى عزبته عندما يرسل الفجر أول بصيص من النور .
*     *     *
كانت المعدية الأخيرة ، والنقلة الأخيرة ، من غرب النيل إلى شرقه وكانت غاصة بالفلاحين العائدين من المزارع ، والقافلين من السوق ، والراجعين من المدينة .. كانوا يتحدثون عما شاهدوه فى المدينة وما ابتاعوه من السوق ، وقد نشروا على عواتقهم شيلانهم الزاهية ، وملاحفهم الحمراء الجديدة .. كانوا مبتهجين فرحين ، تطوف فى رؤوسهم ذكريات الصور الجميلة التى مرت عليهم ، وأخذت بألبابهم .. وكانوا يديرون رؤوسهم من حين إلى حين إلى مؤخرة المركب ، حيث يجلس نفر من أبناء الأثرياء الراجعين من المدرسة ، والعائشين فى المدينة ، كانوا عندهم صورة حلوة للعيش الرغد ، والتمرغ فى النعيم ، والتمتع بمباهج الحياة وملذاتها دون أن يضربوا فأسًا أو يبذلوا جهدا.. كل جهودهم تنحصر فى تقليب صفحات كتاب ! وهل فى هذا جهد.. هل جهود سكان المدينة جميعا من هذا الطراز ... إذن ما أحلى العيش فى المدينة .
كانوا ينظرون إلى هؤلاء الطلاب نظرة إكبار وإجلال ، وهم خير مثال يحتذى ؛ وخير آمر يطاع ، كانوا ينصتون إلى كل كلمة تخرج من أفواههم ، وكل حديث يدور بينهم لعلهم يهتدون إلى نور العلم ، ويخرجون من الظلمات .
وكان النسوة الجالسات فى ركن منعزل من السفينة يتطلعن إلى هؤلاء الطلاب ، ويملن على بعضهن هامسات باسمات ، وخدودهن الوردية تفيض بماء الحياء ، وعيونهن الناعسة تلمع ببريق أخاذ .
وكان عبد الحق وعلام من ركاب هذه السفينة أيضًا بيد أنهما لم يكونا متجاورين .. كان كل منهما يحادث رفاقه .
أما صاحب السفينة وقائدها فقد أسند جنبه الأيمن إلى مقبض الدفة ، وطفق يتطلع إلى السماء ويرقب القلع .. ثم عالج أخيرا حبلا قريبا منه ، وشد به على ناصية القلع .. عله يشيل .. ولكن هيهات ! فقد كان الهواء معاكسًا والتيار القوى يرد السفينة إلى الخلف أكثر مما يدفعها القلع إلى الأمام .. حتى وقفت المركب فى وسط النيل ، كأنها لا تتحرك ، أو كأنها تتراجع ، وأخيرا صاح النوتى وهو يحول الدفة :
« حسن .. عباس .. هيا يا أولاد إلى المجاديف ... »
فنهض إلى المجاديف أربعة من الشبان الأشداء ، ظهر أثر تجديفهم بعد قليل من الزمن ، فقد تقدمت المركب مغالبة التيار ، على أن النوتى لم يقنع بجهود الشبان الأقوياء فأخذ يهيب بهم ويحثهم بقوله :
« ما هذا ! ما هذا التجديف ! رحم اللّه أيام الشباب . كنا نقود أنا وصالح مركبا تحمل خمسمائة أردب ونحمل الأردب من القمح . كما يحمل حسن حزمة من القش .. »
فقال أحد الطلاب يمازح النوتى :
« ومع هذا فقد ضربك عبد المقصود وطير أسنانك .. .. »
« من قال لك هذا يا بنى ؟ .. هل كنت حاضرا . ؟ صحيح أنه ضربنى ولكنه لم يطير أسنانى .. وقد شكوت هذا الشاب الطائش إلى ربى فانتقم منه شر انتقام .. »
« عندما يضربنى رجل على فكى الأيمن ، لا أدير له الأيسر ، وإنما أضربه على أم رأسه فأطير فكيه معًا .. »
فسأله أحد الفلاحين وهو يضحك :
« وإذا ضربتك امرأة ... ؟ »
« أعرف كيف أرضيها .. ! »
« ها .. ها .. »
واتجه الفلاحون جميعًا إلى هذا الطالب .. وقد كان كلامه طيب الوقع على نفوسهم .. وإن كانوا لا يتوقعون منه مثل هذا الكلام .
واعترض عليه أحد رفقائه :
« كيف تطير فك مخلوق بشرى مثلك .. هذه وحشية وفظاعة ... واجرام.. دع أمره إلى اللّه وهو خير مقتص ... »
« هذا صحيح .. أنا مسلم بأنى لو ضربت انسانا مثلى على أم رأسه أعد فى نظر الناس ، ونظر الاجتماع وحشًا وفظًا غليظ القلب .. ولكن المرء فى مواقف كثيرة لا يملك أمر أعصابه ، وزمام نفسه .. يعود إلى فطرته ، إلى طبعه البكر قبل أن يهذب ويشذب ، فلا يرده حلم ولا يردعه زاجر .. عندما يضربنى انسان فيطير لى سنة لا أدعه حتى أحطم أنفه ... أفعل هذا دون وعى منى ، ثم بعد ذلك أفكر هل أحسنت صنعا بعمل هذا أم أسأت .. هل فى عملى هذا وحشية وجرم .. أفعل هذا ثم يأتى بعد ذلك دور التفكير ، ودور الندم .. من منكم يستطيع أن يغل يده إلى عنقه عندما يعتدى امرؤ على عزيز لديه .. ابنه .. فلذة كبده ..
« هذه أعمال اجرامية تجر إلى الفوضى .. »
« هذا حق .. ولكنها قد تحدث عكس ما تتصور تماما ، فمتى عرفت أنك متى صفعتنى سأصفعك ، تراجعت وجبنت حتى ولو كنت أشجع الشجعان... من منكم يجرؤ على صفعى الآن وأنا ألقيه فى النيل ! »
فقال شيخ مهدم « أنا ... »
ونهض .. فضجت المركب بالضحك .
وكان عبد الحق ينصت إلى هذا الحوار الدائر بين الشبان باهتمام شديد .. والخواطر السابحة فى قرارة ذهنه قد طفرت وعادت تهيمن على شعوره ، ومازال يغالب انفعالات نفسه ، حتى غفل عما يدور حوله واستغرق فى أمر نفسه ، وهو شارد ساهم ...
ولما فتح باب منزله فى غلس الليل كان قد اعتزم أمرا .
بارح عبد الحق منزله فى ليلة من الليالى وسار صوب المزارع ، وكان يمضى سريعًا وفى جسمه قوة لم يعهدها من قبل ، وكان مستريح الذهن هادىء البال ، قد أزاح عن صدره كل ما كان يثقله ، وصرف عن ذهنه كل ما كان يقلقه ويحيره فى الماضى ، ووجه نفسه إلى أمر واحد تجمعت فيه قوته وحيويته .. ولهذا شعر بدم الشباب يسرى فى الياف جسمه ، وبقوة عظيمة تحمله على المضى فى طريقه .. وكان يرتدى رداء أسود فوقه عباءة من الصوف الثقيل ، وتحت هذه بندقية من النوع الجيد ... وكانت الليلة حالكة الظلام ، شديدة الريح ، والشتاء فى صميمه ؛ وبرده الحاد يقطع الأنفاس ويحبس الناس فى بيوتهم من الغروب فلا يتخلف من الفلاحين فى الحقول إلا أولئك الذين اتخذوا للشتاء عدته ، فبنوا لأنفسهم عرائش من عيدان الذرة ، وأشعلوا حولهم النيران وجلسوا يصطلون .. وكان عبد الحق لا يقصد حقلا من الحقول البعيدة التى يتخلف فيها الفلاحون ، وإنما كان يقصد حقلا قريبا من القصب يطوق الجانب الشرقى من القرية ، كان يمر فيه علام كلما عاد من منزل المرأة التى يتردد عليها .. اتقاء للعيون ، ودفعا للشبهات ... ولما بلغ هذا الحقل مضى قدما فى طريق ضيق بجانبه ، ثم ارتد إلى حيث اختار ودخل بين القصب ، وجلس متمددا يدخن . ومضت عليه ساعة .. وعادت بعدها إليه الهواجس التى كانت تبلبل خاطره من قبل ، رجعت إليه خواطر المتردد ، رجعت إليه الصور التى تمر على المجرم قبل الساعة الفاصلة . قبل ارتكاب جرمه بلحظات.. والتى يخرج منها وقد قطع بأمر .. وقف وقفة الرجل الحائر عند مفترق الطرق المتشعبة والذى لا يدرى من أين يمضى ويسير .. عاد إلى انسانيته ، وإلى طبيعة الخير فيه ، تذكر وتصور لأول مرة فى حياته أنه سيقتل انسانا ، بشريا مثله من لحمه ودمه .. عربيا من جنسه .. شابا ناضر الاهاب فتى العود أمامه الحياة الطويلة ، وليس شيخًا مثله قد بلغ من العمر أرذله ؛ ومن الحياة منتهاها .. بيدأنه شاب متمرد .. شاب تمرد على الحياة ، وتمرد على الاجتماع ، وخرج على القانون ، وغدا مجرما .. ولكن من الذى دفعه إلى الاجرام ، من الذى رمى به فى هذه الطريق .. ؟ من الذى سلبه نفسه وقلبه وجرده من انسانيته ورجع به إلى وحشيته الأولى وجاهليته الأولى ، من الذى ألقى به إلى التهلكة فأصبح منبوذًا مطرودا ؟ من الذى فعل به كل هذا؟ ظلام الجهل بلاء الفقر قسوة المجتمع ، هل فى هؤلاء الغلمان المهذبين من أبناء الأعيان الذى رآهم فى المركب منذ أيام متمرد .. ؟ هل فيهم جاهل تقرأ على وجهه دلائل الاجرام كما تقرأ على وجوه هؤلاء الريفيين الذين يتقاتلون على أنفه الأشياء ..
لماذا يقتل الأنسان أخاه الأنسان ؟ ليأخذ بثأره .. ولماذا يأخذ بثأره ؟ لماذا يفعل هذا ؟ لماذا لا يدع الأمر لربه ؟ وهو خير مقتص .. لماذا يثور هو الآن ويضطرب اضطرابا لم يعهده فى جسمه ؟ لماذا يتراجع بعد أن أجمع أمرًا .. لماذا يفكر هكذا ؟ لماذا قتل هذا المجرم ابنه .. ابنه الوحيد الحبيب نعمان .. مبتغاه فى هذه الحياة الدنيا ، ضربه ورماه فى جوف الترعة فى هذه الصورة المنكرة .. ؟ وأصبح عبد الحق لا يرى الآن إلا ابنه .. ولم يكن يراه وهو يعمل فى الحقل ، أو وهو راجع من المزرعة ، وإنما رآه وهو ملقى فى بطن الترعة مضروبا كأحقر الكلاب ، وهاج على هذه الصورة هياج الليث الكاسر ... ومسح العرق ، ورمى طرفه إلى أقصى ما يبصر ، وسمع حسا فأنصت وسدد بصره ، وانبطح على وجهه ، وألصق البندقية بكتفه الأيمن . وصوب ماسورتها من بين عيدان القصب ، وكان قد تخير مكانا مناسبا فى بطن الحقل يشرف منه على طريق صاعد قرر أن يأخذ فيه غريمه .. وجذب أكرة البندقية وسمع حركة الرصاصة تندفع إلى الماسورة متهيأة لضغط الزناد .. وكتم أنفاسه وأنصت .. ومرت ساعة رهيبة وعاد كل شىء ساكنا موحشًا .. وتحركت عيدان القصب ، ورجعت الرياح تعصف ، واشتد البرد واستولى على عبد الحق القلق ، وخاف أن تفلت منه الفرصة . وسمع فجأة حس إنسان ووضح الصوت وكان يعرف صاحبه ، فتراجع إلى الوراء خطوات وعينه لا تتحول عن الطريق ، وقرب صاحب الصوت .. وكان سقاء القرية يمشى وراء حماره الذى حمله بالقرب حتى انحنى ظهره ، وهو يضربه ضربا موجعا مع أنه ضامر هزيل أعرج .. ولما قرب السقاء من مكمن عبد الحق تلفت .. كأنه يسمع أنفاسا .. ثم مضى وراء حماره وقد حلى له أن يغنى .. ..
وعاد عبد الحق إلى مكانه الأول ، وقد شعر بعد مرور هذا السقاء بالارتياح الشديد ، وقد انتفت عن رأسه الهواجس التى ساورته أول الأمر ، وهو متردد بين الاقدام والحجام ؛ وعاوده الحنين إلى الانتقام وأصبح فى الساعة التى تمر على المذهول ، وقد وقفت سلسلة أفكاره جملة ، وغفل عن كل شىء حوله إلا ما انتوى .. وكانت الرياح كلما توغل الليل تزداد شدة وعصفا ؛ فثارت ثورة النيل ، وهاجت مزارع القصب وتمايلت بساتين النخيل، وتطايرت فروع الزرع الجافة واغبر الجو واكفهر ، فجمع عبد الحق حواسه كلها فى باصرته ورقب الطريق .. ولاح على بعد شبح انسان ، ثم رجل فى ثوب داكن وقد غطى رأسه وعنقه . وكان ثابت الخطوة يمشى على مهل ، ولا يعير باله لما يجرى حوله ، ولما قرب من مكمن عبد الحق تمهل فى سيره جدًا ، وتلفت كالمذعور .. وهنا صوب عبد الحق ونشن وضغط على الزناد ... وبصر به يهوى مع ومض البارود .
*     *     *
أخذ عبد الحق سمته إلى المقبرة لأول مرة بعد حادث ابنه ولقيه فى الطريق وهو راجع منها قبل الفجر مجذوب من هؤلاء المجاذيب الذين يترددون على الأذكار فشخص فى وجهه ثم مد له يده وعلى شفتيه إبتسامة بلهاء وقال له :
« إنا للّه .... ..... .... »
فانتفض عبد الحق ومد إليه يدًا ترتعش والتقت أعين الرجلين ، وكانت عينا المجذوب تلمعان فى بلاهة وخبث .... أما عينا عبد الحق فقد أخذتا تنطفئان بالتدريج .....

الذئاب الجائعة
خرجنا فى الهزيع الأخير من الليل نزحف نحو المزرعة كالذئاب الجائعة ، ومع أنا كنا مسلحين بأحسن طراز من البنادق ، فقد كنا نتجنب الحراس ونراوغ كالثعالب ، لأنا نعرف قيمة الدم المهدور فى الصعيد ، ولهذا كنا نتخير الأوقات التى تغفل فيها العيون وتغفو ...
كان الظلام على أشده فى تلك الليلة ، وكانت وجهتنا مزرعة عثمان بك، وهو من الأثرياء الأشحاء . كان جبارًا شديد البطش مرهوب الجانب ، وكانت مزرعته متطرفة عن سائر المزارع ، وعليها أشد الحراس ساعدًا وأبرعهم رماية .. ولكنا كنا لا نخاف أحدًا ولا نرهب إنسانا .. كنا من الفتاك الذين يبطشون فى الأرض ، ويعيثون فيها فسادًا ، لا يردعنا حلم ، ولا يردنا عقل ، ولا يزجرنا زاجر ... كنا نحمل الحقد والضغينة على المجتمع الأنسانى ، الذى طردنا من كنفه ، وشردنا فى الأرض ، وقطع بنا الأسباب ... وكانت قسوتنا ، وغلظ أكبادنا ، على قدر ما أصابنا فى مستهل حياتنا ، من ضنك العيش وشظفه ، وبلاء الأيام ومحنتها .. فكانت الفرائص ترتعد لذكرنا ، والقلوب تنخلع لوقع أقدامنا ... وكنا قد ضربنا بكل شىء عرض الأفق ، وعشنا على السرقة والنهب ، نقطع الطريق على الناس ، ونسطو على المزارع فى غلس الليل وفحمته .. وكنا نشعر بعد كل حادثة بلذة المغامرة التى لا حد لها ..
كانت حظائر الماشية فى شرق المزرعة ، وحظائر الغنم ، وهى مبتغانا وقصدنا ، على رأس الطريق المؤدى إلى الحقول ، وكان حول الغنم سياج يبلغ رأس الرجل .. وله بابان أحدهما يؤدى إلى الطريق الصغير الممتد إلى باقى الحظائر ، والآخر يفضى إلى الحقول ، وكنا قد درنا حول المزرعة فى الليالى السابقة ، وعرفنا كل شىء فيها ، ورأينا أن خير ما نفعله لنتقى كلابها ، هو أن نرسل واحدًا منا يناوش كلاب مزرعة مجاورة ، فتخرج إليها كلاب المزرعة التى نقصدها .. وفى تلك الساعة نتقدم نحو الحظيرة ، ونخرج بالغنم إلى بطن الوادى ثم نتجه بها فى طريق غير مألوفة إلى الشرق ، وبذلك ننجو بها .. وتم كل شىء بمنتهى السرعة .. فبعد دقائق قليلة كنا نسوق الغنم .. وتحولنا بها إلى بطن الوادى ، وأخذت عصينا تعمل فوق ظهورها بحمية .. وكنا نسير خلفها وواحد منا فى مقدمتها ، ونحن صامتون ، وصوت الكلاب فى المزرعة المجاورة يقطع علينا هذا السكون العميق ، ثم فتر نباح الكلاب بالتدريج وانقطع صوتها .. وسكن كل شىء ، وخمد كل حس ، وساورنا الاطمئنان المطلق ...
وتنفسنا الصعداء ونحن نجتاز بالغنم الوادى ، وندور بها حول التل ، والسكون مخيم والصمت شديد ، وصوت الأمواج المتكسرة على شاطئ النيل يصل إلى آذاننا عن بعد كأنه زمجرة الوحوش فى الأجم ، ونيران الفلاحين فى المزارع البعيدة تبدو فى غياهب الليل كألسنة الجحيم ...
ودرنا حول الغنم ونحن نحثها على الإسراع ، وقد ساورنا شعور من اقترب من الهدف فاندفع بأقصى قوته ليستريح فى النهاية .. وسمعنا فجاءة صوت رصاصة مرقت فى الجو .. فحبسنا أنفاسنا ، وصوبنا أبصارنا إلى حيث انطلقت الطلقة .. وقد أخذنا أهبتنا للأمر .. وكانت الكلاب قد عادت تنبح، ثم انقطع نباحها شيئا فشيئا .. فتصورنا الطلقة من أحد الفلاحين الذين يبيتون فى المزارع ، ويطلقون النار على غير هدى ، فى أخريات الليل ، ليرهبوا اللصوص .. وعاد إلينا الاطمئنان ، واستأنفنا السير .. وإذا بنا نسمع طلقات متصلة اهتز لها الجو وزأر ، وهاجت الكلاب وتفزعت كأنها فى شجار مستعر.
استدرنا وانبطحنا على وجوهنا ، وتركنا الغنم مع واحد منا يسوقها بأقصى سرعتها ، وأخذ الرصاص يدمدم ، ويصوب إلى اتجاهنا ؛ لقد تقفوا أثرنا وعرفوا طريقنا ، ولم يكن من القتال بد .. وزحفنا كما تزحف السلاحف إلى مشرف عال بجانب الطريق .. وأخذنا نرد على طلقات الحراس بطلقات أشد منها .. وانقلب الجو إلى معركة حامية .. واشتدت علينا المطاردة وكثر طلق النار .. وكأنما خرجت إلينا المزارع بجميع حراسها ، وأحسسنا بدقة موقفنا ، وأدركنا أننا لو بقينا فى مكاننا فنحن هالكون لا محالة، فتراجعنا إلى مكان آخر .. ورأينا أن نسرح الغنم ليكف عنا الحراس .. وعهد الرفاق إلىّ وإلى زميلى حسان بهذه المهمة .. فأخذنا نغير اتجاه الغنم ونردها على أعقابها .. وبعد دقائق قليلة كنا ندفع الغنم من حيث جاءت ، والرصاص يصفر فوق رأسينا .. ورميت رفيقى بحصاة .. ونهضنا معا ، وجرينا بكل ما وسعنا من السرعة .. وسمعت أنه مفزعة ، وسقط جسم رفيقى على الأرض ، فاسرعت نحوه وحملته .. وبعد لحظات جاء الرفاق .. وحملناه.. وسرنا به مسرعين قبل أن يفضحنا نور الفجر ...
*     *     *
انقطع صوت النار .. وخف نباح الكلاب ، ثم سكْن ؛ وخيم السكون العميق .. وبلغنا بصاحبنا التل .. وكان قد فارق الروح فى الطريق بعد أن تألم كثيرا .. ووضعناه فى الزورق ، وأعملنا الأيدى فى المجاديف ، واتجهنا نحو الغرب ، وقد خيم علينا الصمت .. ما أعجب الحياة ! لقد انتهت حياة رفيق لنا فى مثل خطف البرق ، وما ذرف عليه أحد منا دمعة ! فقد قست قلوبنا وتحجرت مآقينا .. وهل هو القتيل الأول ؟ .... أبدا .. ولن يكون الأخير ... وسيأتى دورنا ما من ذلك بد ..
وتبادلنا المجاديف ، والرفيق الذى كان يضاحكنا فى المساء ويمازحنا قد رقد هناك فى ركن من الزورق ، صامتا أخرس .. لقد كان صمته أبلغ من نطقنا.. ولقد أطبق فمه وهو فى بكائر أيامه وربيع عمره ، وضرب الضربة البكر ، وهو فى أول عهده بالحياة .. قضى .. لأنه كان أكثرنا حماسة ، وأشدنا بطشا، ولقد انتهت تلك القوة الجبارة فى ساعة قصيرة مفجعة ، وكنا جميعا نتوقع الموت فى كل ليلة نخرج فيها للسرقة إلا هو ، فقد كان الموت أبعد شىء عن ذهنه .. ولعل الشباب والجبروت وقوة الحيوية هى التى جعلته هكذا .. ولكن ما أعجب الأقدار ! لقد اختطفته هو ، وخلفتنا نحن ... إلى حين ! .
وانحنيت على جسمه أتأمل روعة الموت فى ذلك الوجه الناضر .. فإذا بوجهه قد احتقن وتصلب واغبر ، وبرزت عيناه فى رعب ، وسقط فكه الأسفل ، فعل من عانى أشد برحاء الألم .. وأغمضت عينيه ، وقد أذهلنا الموقف المروع عن فعل ذلك من قبل .
وأخرجناه من الزورق وحمله اثنان منا ، وسار الباقون خلفهما فى صمت كئيب .. وبدأ الجبل رهيبًا موحشًا ، شامخًا جبارًا .. وسيضم جبارًا مثله .. أخذنا نتبادل حمله ، وقد ثقل جسمه وتصلب .. وعلى الرغم من أننا ربطنا الجرح ، كان الدم لا يزال يتفصد ، وكانت أرجلنا تغوص فى الرمال ، وعرقنا يختلط بدم القتيل ، ويسيل على وجوهنا وثيابنا ... يا للّه ... أى حياة يحياها الأشقياء فى القرية .
تطلعنا إلى الأفق الشرقى وقد بدأ بياض الفجر يزحف .. وكنا قد قربنا من المقبرة ، وثار الغبار الدقيق فى وجوهنا وملأ خياشيمنا ، وأخذ الصمت الرهيب يطالعنا من كل جانب ، وكنا نتبادل من قبل بضع كلمات ، ولكن ما لاح شبح المقابر عن بعد ، وهى رابضة عند سفح الجبل ، حتى تملكنا شعور من الرهبة ، ومزيج من الخوف والابتئاس .. فتصبب العرق على وجوهنا . وأصبح كل شىء حولنا كريها بغيضا .. فأحسسنا فى أعماقنا بشعور من أشرف على الهاوية ، ووقف على رأس الجب وعيناه إلى تنين هائل ... ! لقد كان عذابنا لا حد له ، وقلقنا لا يصور ، وشعورنا بالبغضاء يفوق كل وصف .. كنا نود لو نلقى بصاحبنا فى اليم ، ونجعله طعمة الأسماك ، أو نطرحه فى العراء ، لتنقض عليه صقور الجو ، وجوارح الطير .. وأسفنا على كل ما تحملناه فى سبيله حتى بلغنا به الجبل ، حيث المقابر .. لقد أثارت هذه المسافة الطويلة التى حملناه فيها كل ما يمكن أن يحمله إنسان لإنسان من حقد وكراهية .. فلو اعترضنا فى تلك الساعة الرهيبة معترض لمزقناه إربا .. كنا نسير فى طريق المقبرة ذاهلين مشدوهين ، وكأننا نحمل جبلا على أعناقنا . كان شقاؤنا مرا وعذابنا غليظا ... وكان الحسك والشوك وشجر الصبار ينبت على جانبى الطريق . وكنا ندوسه بأقدامنا ونحن لا نحس به من فرط الذهول ...
لقد مرت علىّ فى تلك الساعة الرهيبة صور حياتى من الوقت الذى شببت فيه عن الطوق إلى أن أصبحت من الفتاك الآثمين .. وضمنى هؤلاء الرفقاء إلى زمرتهم .. وسرنا جميعا فى طريق الظلام .. هل كنا سنصبح هكذا، ونعيش على هذا النحو لو أنيرت أمامنا السبل ، ورفعت المشاعل وتبينا السبيل ؟... أبدا .. لقد كنا أشد ما نكون حماسة وفتوة ونضارة ، فانتقلنا من الروض إلى بيداء التيه ، بعد أن ضاقت بنا السبل ، ودفعنا المجتمع إلى ركوب هذا الطريق .. فيجب أن نمضى إلى النهاية .. إن أحدًا من الناس لم يفكر فى الساعة الفاصلة فى تاريخ الإنسان . الساعة الفاصلة فى تاريخ الرجل ، التى قد يكون بعدها ملاكا رحيما أو شيطانا رجيما ... لقد مرت بنا تلك المحنة القاسية كما لم تمر على مخلوق بشرى ، وكنا نتعذب ونقاسى من البرد والجوع والشقاء ، ونحمل من الأعباء ما تنوء بحمله الجبال .. كنا نعمل ونحن صغار فى الحقول ، فلا نحصل فى آخر النهار حتى على ما يمسك الحوباء، كنا نرتعش من البرد فى ليالى الشتاء ، ونتألم من الجوع .. ولم يكن عملنا منتظما ، بل كنا نعمل يوما ونتبطل خمسة .. وكان كل شىء يعمل على عذابنا وشقائنا ، فلم يكن بد من هذه الطريق !
ولم نكن نشعر فى أول الأمر ، بعد كل حادثة سطو بشعور الرجل الراضى عن عمله وفعله ، بل كنا فى ساعات كثيرة نشعر بالندم ، وعذاب القلق ، إذا ما أسفرت الليلة عن محنة وبانت عن قتيل .. ثم مضت الأيام وجرفنا التيار إلى نهاية المنحدر ، فغلظت قلوبنا .. وماتت ضمائرنا .. وغدونا أشد ضراوة من الوحوش ...
*     *     *
كان النور قد شعشع على الكون ، وبدت المقابر المتناثرة على سفح الجبل.. وحلقت الغربان فى الجو .. وتطلعنا إلى قرن الجبل ، ولمحنا عن بعد ذئابا تنحدر عن قمته ، وخيل إلينا أنها ترقبنا عن بعد ... ما أشبهنا بهذه الذئاب .. إنها تسعى الآن لتأكل إنسانا أو حيوانا ، فإذا لم تجد أكلت نفسها...
رمقنا هذه الذئاب بعيون تتقد غيظا وحنقا .. وكانت تنظر إلينا بمثل نظرتنا.. وتنحدر عن التل لتأخذ علينا الطريق .
بحثنا عن فأس لنحفر لرفيقنا حفرة .. فلم نجد .. وأخذنا نعمل فى التراب بأيدينا وأطراف بنادقنا ، حتى حفرنا له حفرة ، وواريناه .. ونفضنا عن أيدينا الغبار .. وكانت الذئاب لا تزال تنحدر عن التل ، وتتجه نحونا ، أو تتجه نحو المقبرة الجديدة !
وكانت ترقبنا بعيون جائعة !

فى القرية
كنا نستيقظ فى الساعة الخامسة صباحا . حتى فى أشد أيام الشتاء برودة، وأقساها زمهريرا ، ونتخذ طريقنا إلى الحقل متثاقلين .. كنا خمسة عشر رجلا من قرى مختلفة ، جمعنا عمل واحد فى قلب الصعيد ، كنا من العمال الأجراء الذين يسعون فى الأرض طلبًا للرزق ، أينما وجدوا للعمل سبيلا ، وللرزق موطنا ، كنا من هذه المخلوقات البشرية التى كتب عليها الشقاء الأبدى فى هذه الحياة الدنيا ، والذين ولدوا فى ليال لا يلوح فيها نجم ، ولا تبدو بارقة من سعود ! وكانت الأيام تمضى بنا من سىء إلى أسوأ ، ولكن على الرغم من ضنك العيش ، وشدة الفاقة ، وبلاء الأيام ، فقد كنا قانعين بنصيبنا من العيش، وحظنا من الحياة .
كان الواحد منا لا يحصل على أكثر من ثلاثة قروش يوميا ، نظير العمل اثنتى عشرة ساعة فى الحقل . وكنا نعمل بين الشادوف ، وسقى الأرض وعزقها ، من فجر اليوم ، إلى مغرب الشمس ، وطعامنا لا يعدو الخبز الأسود والبصل، وما تنبت الأرض من بقل ، ومع ذلك لم نكن نشكو نصبا ، ولا مرضا .. وكنا نعمل تحت الشمس ، ونصلى نارها طول النهار ..
وكانت ساعات الظهيرة ، فى قلب الصيف ، هى شر ما يمر بنا من الساعات .. حين تشتد الهاجرة ، ويركد الجو ، ويلتهب قرص الشمس . كنا فى تلك الساعة نشعر بضنى شديد وعذاب لا يطاق ... كانت الأرض المتقدة تلهث كما يلهث الكلب المضروب ، وتزفر من عذاب السعير ، والشمس تحمى حتى يلتهب كل شىء ، وتتحول دقاق الحصى إلى جمرات من نار . فإذا أصابت باطن القدم ، كوته بنارها وشققته ورسمت فيه أخاديد ! وويل للذين كانوا يعزقون الحقل فى تلك الساعة من النهار . كانوا يختنقون بين عيدان الذرة ، ويجودون بأنفاسهم فى بطء وعذاب . وكان الذين يعملون فى الشواديف ، أسعد من هؤلاء حالا ، وأخف حملا ، لأنهم أقرب إلى الماء ، وأجسامهم شبه عارية ، وهى إن كانت تتصبب عرقا ، ولكنها لا تحمل غبار الأرض وحرقة الرمضاء . وكان الذين يسقون الأرض يحسون بلظاها من تحتهم ، كلما جرت عليها المياه ، كانت تخرج أنفاسها الحارة الملتهبة ، فيزداد الجو وهجا وسعيرا .
*     *     *
كان الجهد الذى نبذله فى الشادوف جبارًا ، وكان يجرى الدماء فى عروقنا ، ويصبب العرق من أجسامنا ، وكان هذا العمل الشاق تحت لفح الشمس ، فى جو طلق ، يفيد أجسامنا من حيث لا نحتسب ، ويعوضنا عن غذائنا الردىء ، وحياتنا الشقية .. فكنا نشعر بقوة سواعدنا وقوة عضلاتنا . وكنا نرتدى أقمصة زرقاء قصيرة ، ونعرض أجسامنا لكل تقلبات الجو ، لنأمن عادية المرض .. كنا نجرى على حكم الفطرة السليمة ، فلم نكن درسنا الطب ، ولا تعلمنا فك الخط ، ومع ذلك كان نظرنا إلى الأمور صائبا ، وإدراكنا صحيحا ، وإيماننا باللّه ليس بعده إيمان .
ولم يكن هناك ما يكدر صفو عيشنا ، كنا نعمل متعاونين متساندين كأحسن رفقاء ، وكان أحد الرفقة حلو الصوت شجيه ، فكان يرفع عقيرته ويشدو .. وكنا نشدو وراءه فى صوت مؤثر يأخذ بالألباب .
وكانت الشواديف على ثلاث درجات ، ويعمل فى كل قسم ثلاثة رجال، فى كل درج رجل .. وكنا ثلاثة صفوف متراصة ، فكانت هذه الشواديف التسعة وهى دائرة فى وقت واحد ، كأنها النواعير الباكية فى البساتين ، كنا ننسى على وقع صوتها كل تعب وجهد ، ونزداد حماسة وقوة .. ونتسابق فى نقل المياه بالدلاء من درج إلى درج . وكان الذى فى الصف الأول يتحمل ثقل العمل كله ولهذا كنا نتبادل هذا المكان . كنا عدولا بالفطرة ، لأننا كنا فقراء بؤساء ، ولم يكن هناك ما يحملنا على الطمع ! وكانت المراكب الشراعية التى تشق النيل بصدرها تمر تحت شواديفنا ، فكنا نلوح للملاحين فيها جذلين فرحين ، ونرفع صوتنا بالغناء والنشيد مثلهم . وأطيب ما يكون الغناء ساعة الصبح ، وعند الغسق ، فى الساعة التى يسكن فيها كل شىء ويسجو .
كانت الأيام تمضى رتيبة ، وكنا ننتقل من الحقل إلى القرية ، وننام فى منزل صغير اكتريناه بعرق جبيننا ، واختزنا فيه طعامنا . ولقد كان المنزل أشبه بزريبة الحيوانات التى بجوارنا . ومع هذا فقد رضينا بقسمتنا فى الحياة ، ونصيبنا من العيش ، وكنا سعداء !
*     *     *
كان بجوار الشادوف الذى أعمل فيه طريق صغير يفضى إلى ساحل النيل ، وكانت النسوة فى القرية يتخذنه طريقا لملء جرارهن من النيل فى فجر كل يوم وأصيله .. ولما كنا نعمل شبه عراة فى الشواديف ، فقد كانت نساء القرية يسدلن خمرهن على وجوهن كلما اقتربن منا ، ويتجنبن النظر إلى ناحيتنا ، ومع ذلك ، فقد كانت الحماسة تبلغ بنا أشدها عندما يردن الماء . كان كل منا يحاول أن يسبق الآخر فى نزح المياه التى تحته ليظفر باعجابهن ! وكن أحيانا يرميننا بنظرات جانبية سريعة .. ولكنها كانت عطشى .. كانت أجسامنا العارية ، وعضلاتنا المفتولة تثير فيهن الإعجاب الكامن .. كنت أشد الرفاق ساعدا وأقواهم عضلا ، وكنت ألاحظ أن فتاة تجىء ساعة الغروب وعند الطفل .. عندما يغيب قرص الشمس وراء الجبل ، كانت تطلع هى علينا ؛ فيخيل إلينا أن الشمس لا تزال طالعة ! وكانت من دون النساء جميعا، تهل علينا سافرة تاركة نفسها على سجيتها ، فلم تكن تتصنع فى مشيتها ، ولا فى لفتتها ، ولا فى نظرتها . وكنت أتعمد أن أكون فى الساعة التى تجىء فيها فى آخر درج من الشادوف ، عند الماء ، لأكون بالقرب منها ، وهى تملأ الجرة . كانت تدع الجرة على الشاطئ هنيهة ، وتجلس محدقة فى الماء ، كأنها ترى وجهها فى صفحته .. ثم تتناول الجرة بيدها اليمنى ، بعد أن تشمر عن ساعديها وتنزل إلى الماء ، رافعة ثوبها عن ساقيها قليلا .. قليلا .. حتى يبلغ الماء قصبة الساق ! فتنحنى على الماء وتملأ الجرة ، ثم تعود إلى الشاطئ ، وترسل ثوبها ، وتنتصب ، وهنا يبدو عودها اللدن ، ووجهها المشرق ، وشعرها الغدافى الجثل المرسل وراء ظهرها ، والذى يكون هالة لجبينها .
كانت كإحدى عرائس البحر التى نسمع عنها فى الأساطير ، وكأنما جعل اللّه كل فتنتها فى عينيها ، فكانت عندما تأخذ فى رفع الجرة على رأسها ، تتلفت نحوى كما يتلفت الظبى الشارد ! كنت فى تلك اللحظة أنتفض ، وأنحنى على الشادوف ، ثم أرفع رأسى ، وأرمى بالدلو إلى القناة فى عنف ! وكانت هى ، فى تلك الساعة ، تصعد المنحدر إلى الطريق ، فأرى ثوبها ، وهو ينثنى على ظهرها ، وأشيعها ببصرى حتى تتوارى عنى .. ويزحف الغسق ، فنخلع الدلاء ، ونأخذ طريقنا إلى القرية .
*     *     *
كنا غرباء عن القرية ، وكان المنزل الذى نكتريه فى ناحيتها الشرقية ، وكان أقرب منازل القرية إلى الحقل ، فلم نكن ندخل القرية ، أو نرى سوقها إلا قليلا .. ولهذا ما كنا نرى من النساء إلا أولئك اللواتى يجئن ليملأن الجرار ساعة الغروب وعند الفجر .. فكن سلوتنا وبلسم أحزاننا .. وعلى الرغم من أن واحدًا منا لم يحادث واحدة منهن ، فقد كنا جميعا نشعر بسعادة تهز مشاعر الإنسان ، كلما سمعنا حسهن ، ووسوسة حليهن !
وأخذت الفتاة على توالى الأيام تبادلنى النظرات ، وتتمهل فى سيرها وهى نازلة إلى النيل ، أو صاعدة إلى الطريق ، لأملأ عينى منها ، وكنت أشعر بلذة تهز كيانى كلما ارتوت عيناى من حسنها .
وكانت تتخلف أحيانا فى بعض الأيام ، فأشعر بالوحشة والقلق ، وأحاول أن أسأل الناس عنها ، وأظل على أحر من الجمر حتى تعود ! فأعود معها إلى عملى بنشاط وقوة ! أصبح كل شىء فىّ معلقا بها .. وكنت محروما .. مرت علىّ سنوات عدة لم أتصل فى خلالها بامرأة ، فكنت أحس ، كلما وقع بصرى عليها ، بسعار يسرى فى ألياف لحمى ولهب ! وكانت على مر الأيام قد عرفت حالى . وأدركت بغريزتها ما أعانيه فى سبيلها ...
فكانت تتأخر عامدة إلى ما بعد الغروب ، وتروح وحدها محاذبة الحقول ، وعلى رأسها جرتها ، وكانت تسير متهادية متباطئة ، حتى تبلغ جسر القرية . وكنت أقف على رأس الحقل ، وأرسل وراءها بصرى ، وهى مولية عنى فى غبش الغسق .. كانت كعروس البحر ، وهى سائرة وحدها فى أول الليل ، كانت أنفاس المزرعة تتعطر ، والجو كله ينقلب رخاء سجسجا ، ونسيما لينا يداعب الوجوه ، والقرية تستقبلها ضاحكة ، كأنها تستقبل عروسها ، وبنتها البكر !
كان كل شىء يضحك ويبتسم فى وجهها ، وكان رفاقى فى الحقل يحدجونها بعيونهم ، ويرمونها بنظراتهم النهمة ، وهى سائرة وحدها بجانب الحقل .. ولكن أحدًا منهم لم يكن له مطمع فيها ، ولا أمل !
وكثيرا ما كانت تقف على رأس المنحدر ، وترمقنا ونحن نتسابق بالدلاء . فإذا ما كانت الغلبة لى انثنت عنا ، وهى ترسل إلىّ أعذب ابتساماتها ! كنت أشعر بقوة غريبة كلما رأيتها ، وأود لو أنزح ماء النيل كله فى غمضة عين .
*     *     *
وتبعتها ذات مساء وهى متروحة وحدها .. سارت على الجسر ، وقبل أن تبلغ منازل القرية انحدرت عنه ، ومشت متمهلة فى طريق صغير بين الحقول.. وهى تلوح بساعدها الأيمن فى الهواء .. وتضع يدها اليسرى على بطن الجرة! وخرجت من الحقول إلى عرصة فسيحة ، وبدت أمامى ، فى ناحية من العرصة ، بيوت من الشعر .. أخبية متناثرة على غير انتظام .. لم أشاهد هذه الأخبية من قبل ، مع أنى مررت على الجسر أكثر من مرة ! ولعلى لمحتها فى صورة سريعة لم تطبع فى مخيلتى ، ككل شىء لا يعنينا فى هذه الحياة .
جلست على حافة الجسر أرقب خباءها ، وخباء من معها من قومها وكانوا عشرة أو يزيدون .. فيهم كثير من الأطفال ، وقليل من الرجال .. ونساء غيرها ، ولكنها كانت أشدهن فتنة وأخذا .. وكان مع هذه القافلة غنم وعنزات .. وبط ودجاج يرعى فى كل مكان ثم أتانان مهزولتان . لا شك أن عليهما حمل متاع هذه القافلة إلى حيث تمضى !
نظرت إلى هذا كله .. وأدركت أنهم من الغجر الذين يخيمون كثيرا فى هذه القرية ، ثم يقوضون خيامهم ، ويرحلون عنها بأسرع مما جاءوا .. سررت وتألمت فى آن .. وأخذت أراقبهم .
ومع أن الليل لم يكن قد أسدل غياهبه ، ونشر ظلامه ، فإنهم كانوا يوقدون النيران فى أكثر من مكان واحد .. ويهيئون العشاء فى قدور تغلى ، ويتصاعد من تحتها الدخان ! ورأيت فى ناحية من المكان عجوزا ، براقة العينين ، تحرك بيدها مجرافا طويلا ، وتذكى النار فى الموقد .. وعينها على جدى يناطح خروفا ! وأمرأة قصيرة القامة تلقى بعض الحشائش للعنزات .. وأخرى ترضع صغيرا .. وصبية يتصايحون .. بين البط والدجاج والكلاب ، التى لم يكن فيها كلب واحد ينبح ، أو حتى يحرك ذنبه !
وكان هناك رجل كث الشارب ، أحمر البشرة ، له وجه شيطان وجسم ثور ، يفتل حبلا طويلا من الليف ، ويصعد بصره فى السماء من حين إلى حين .
وكانت صاحبتى قد دخلت الخباء ، ثم خرجت منه ، وتبادلت مع ذلك الثور الضخم بضع كلمات .. ثم انتبذت ناحية ، وجلست وحدها ساكنة ، وعينها إلى نخيل القرية السامق ، وهو يتمايل مع نسيم الغروب ...
*     *     *
كنا نسقى الأرض العالية من الحقل ، وكانت القناة الرئيسية ممتلئة إلى حافتيها بالماء ، وكنت أمر عليها ، وأقوى الأماكن الضعيفة منها ، وأعمق القاع ، وأجرف الطين ، وأزيح الأعشاب .. ولمحت الفتاة قادمة من بعيد ... مالت عن الجسر ، وسارت فى الطريق الصغير بين الحقول ، وكانت تمشى الهوينا كعادتها ، وتسوق أمامها قطيعا .. قطيعا عجيبا .. كان خليطا من الغنم والأعنز والبط ، وبعض الطيور الأخرى .. وكان الوقت ظهرًا ، والقيظ شديدًا.. وكانت تلوح بعصاها ، وتنزل بها على ظهر الغنم .. وترد الأعنز إلى الطريق ..
وكانت تمشى الوجى ، وملامحها ساكنة ، ووجهها فى لون البرنز وفمها الدقيق مفتوحًا .. ونفسها مبهورًا ، وقدماها عاريتين .. ولقد أشفقت على هاتين القدمين الصغيرتين ، وهما تصليان نار الأرض ، فى تلك الساعة من النهار . ووددت لو أفرش لها الطريق بالسندس ، أو الإستبرق !
وقفت على مدى أذرع قليلة منى .. وورد القطيع الماء .. مدت الأغنام والعنزات أعناقها وقفز البط إليه .. وكنت محولا وجهى عن الشمس ، ويدى على الفأس ، وعينى إلى الأفق .. وشعرت لأول مرة فى حياتى باضطراب شديد .
أنا رجل من لحم ودم .. رغم كل شىء .. ورغم ما فى من قوة الأعصاب.. وأنا وإن كنت ريفيا خشنا لم يخفق قلبى خفقة الوجد ، ولم أنعم فى ظلال الروض بنسيم الحب وشذاه .. ولكنى رجل .. رجل فى ربيع عمره، من لحم ودم .. ذاق قسوة الحرمان عدة سنين ! ولهذا شعرت عندما اقتربت منى هذه المرأة ، وامتزجت أنفاسها بأنفاس الزرع المحيط بى ، بأن يدًا من الفولاذ تعصر قلبى .. فوضعت الفأس على كتفى ، وتركت المرأة وحدها، ودخلت الحقل ، وأخذت أضرب فى الأرض ، وعيناى لا تريان شيئا، وجسمى يسيل عرقا .. وظللت على ذلك مدة خيل إلى أنها طويلة جدا.. وتنبهت على صوت المياه ، وهى تتدفق بجوارى ، وتسيل تحت قدمى . فأسرعت إلى خارج الحقل .. فوجدت القناة قد تقطعت فى المكان الذى كان يشرب فيه القطيع .. وكانت الفتاة واقفة فى مكانها تضحك .. !
فقلت لها فى غيظ وخشونة :
« أهذا مضحك .. ؟ »
« ليس أمتع منه منظرًا .. ! »
« اذهبى بغنمك وعنزاتك .. إن هذا جهد تسعة رجال من لحم ودم .. اذهبى .. »
فظلت فى مكانها ، ساجية الطرف ، تضحك !
« أقول لك اذهبى .. اذهبى إلى جهنم بغنمك و .. »
« أنا أشرب من النيل .. والنيل ليس ملكك ، ولا ملكا لأحد . » فلوحت بذراعى ، وصحت فى وجهها وصوتى يرعد من الغضب !
« النيل هناك .. وإذا جئت إلى هذه القناة مرة أخرى سأقطع رأسك بهذه الفأس .. ! »
فبقيت فى مكانها ساكنة ، ووجهها باسم ، لم يكن هناك شىء يخيفها ، أو يفزعها ! وكنت قد سددت القطع ، وسكن جائشى ، وعاودنى بعض الهدوء.. وكانت تلاحظنى ، وأنا أجرف الطين ، بعينين ذابلتين ، شبه مسبلتين، ولكنهما تلمعان ، ويبدو فيهما من حين إلى حين .. ذلك البريق الخاطف الذى لا تراه إلا فى نساء « النور » ..
هزت عصاها ، وساقت القطيع .. تقدمت به نحوى ! ووقفت أمامى فى الناحية الأخرى من القناة ، وكان خداها يرف لونهما ، ويذوب فيهما شعاع الشمس ، وشفتها السفلى فى لون الدم ! ورفعت أهدابها ، وقالت فى صوت كالهمس :
« أعطنى بعض الحشائش للعنزات ! »
فأشرت بيدى إلى الحقل ، وقلت لها فى صوت جاف :
« الحقل أمامك ، فورقى منه ما تشاءين .. »
« لا أعرف .. ! »
« ماذا ؟! ... »
« لا أعرف .. أنا لست فلاحة .. »
« أنا أعرف أنك بنت العمدة ! .. ومن تكونين إذن ؟ .. »
« أنا غجرية ! .. »
« نورية ؟ .... »
« نورية ! .... »
« ومتى ترحلون .. ! »
« لا ادرى .. ولا حتى طوفان يدرى .. ! »
فأدركت أن طوفان هو ذلك الثور الهائل الذى كان يفتل الحبل ، ولا شك أنه زعيم القافلة ! ورجلها أيضا .. !
ودخلت الحقل ، وخرجت منه بحزمة ضخمة من الحشائش ، وألقيتها تحت قدميها .
وقلت لها :
« خذى .. واذهبى عنى .. »
« أنا لست قوية مثلك .. ولا أستطيع حمل هذه .. ! »
« إنها ليست أثقل من الجرة .. »
« ولكننى لا أستطيع حملها .. »
« سترين .. ! »
وعبرت القناة ، واقتربت منها .. واقتربت منى .. ورفعت طرفها .. وصوبت عينيها إلى أعماق عينى ..
وأخذنى ما يشبه السعار عندما لمست يدى ذراعها .. ووضعت الحزمة على رأسها فى قوة ، فرفعت أهدابها ، وركزت بصرها .. وظلت على ذلك برهة .. ثم حولت وجهها عنى ، ومضت تحت وهج الشمس الحامية .
*   *      *
تعلق قلبى بها بعد هذه المقابلة ، وأخذت أفهم بوضوح سر نظرتها .. وأتبين الرغبة فى أعماق عينيها .. كانت قد هزت شيئا كامنا فى أعماق نفسى . وحركت غريزتى بعد طول سكونها ، وطول خمودها ... عندما تبتعد عن المرأة ، وتشغل عنها بالعمل الشاق ، لا تعود تفكر فيها إلا تفكيرا عارضا.. وقد تطرحها وراء ظهرك وتنساها كلية .. ! ولكن ويل للرجل القوى الجسم ، الكامل الرجولة إذا حامت حوله امرأة .. وألقت عليه شباكها.. ووقع تحت سلطان نظرتها النهمة .. ويل له من العذاب المضنى ، والألم الشديد ، والقلق المستبد ، والأرق الذى لا نوم بعده ..
كنت أضع جنبى على الأرض ، ولا أتحرك طول الليل ، ولا يمر بى حتى طيف حلم ! أما الآن فأنا أتقلب طول الليل على جنبى ، وأتمثلها بنظرتها ورغبتها .. وأحلم بأنها بين ذراعى ، وأنى آخذها فى أحضانى ! .. لقد أخذ نظرى يشرد ، وعقلى يضطرب ، وجسمى يثور ، وروحى تتعذب ، وجو حياتى كله قد تكنفته الشياطين !
*     *     *
اشتد على الأرق فى ليلة من الليالى ، وثارت ثورة الدم فى جسمى ، فغادرت المنزل ، ومشيت على الجسر ، وكان الليل ساكنا ، والظلام مخيما ، والقرية كلها غارقة فى سبات عميق .. ولا شىء يقطع هذا السكون غير نباح الكلاب بين الفينة والفينة .. ومضيت على الجسر حتى ألفيت نفسى واقفا بإزاء خبائها .. إنها نائمة الآن .. ربما فى أحضان ذلك الثور .. أو ساهرة وحدها تعد النجوم .. ويممت وجهى شطر الحقول ، ووجدت نفسى أمضى سريعا كأنما أساق إلى غاية .. وأخذت عينى الشواديف ، وهى قائمة فى فحمة الليل كالأشباح . ومشيت على النيل ، ولمحت قلوع المراكب البيضاء ، وهى ترتعش فى جوف الظلام ..
وطالعنى الجمال والسكون من كل جانب .. سكون النيل .. وسكون الروض .. وسكون الليل .. ولكن لا شىء يسكن ثوران جسمى ، ويهدئ فورة الدم فى شرايينى ! .. لا شىء !
اضطجعت فى بطن القناة .. وعينى إلى نجوم الليل البراقة .. وأذنى إلى كل حس .. إلى حس إنسان .. إلى صوت امرأة .. ومضت ساعة .. وأنا مرهف سمعى .. وبصرى لا يتحول عن الطريق ، وسمعت حسًا ، سمعت صوتًا كالهمس ، فرفعت رأسى ، وشخصت ببصرى .. وكان النور قد بدأ ينتشر .. وتبينت نساء فى الطريق إلى النيل .. لقد بدأن يملأن الجرار .. وستجىء هى.. بعد هؤلاء أو بعد سواهن .. وعادت النسوه إلى القرية ، وجاء غيرهن . ومضين .. ولم يأت بعدهن أحد .. أنقطعت الرجل .. واشتد السكون .. ورأيت سوادا ينحدر عن الجسر .. نهضت بصدرى وأرسلت عينى .. وظللت معلقا بصرى بهذه المرأة حتى اقتربت وتوضحتها .. إنها هى .. ولا أحد يتأود فى مشيته مثلها .. ولا أحد يجىء وحده سواها .. ونهضت من مكانى ، واندفعت فى سرعة البرق إلى الحقل !
وحملت فأسا على ظهرى ، ومضيت إلى رأس القناة ، وأخذت أضرب فى الأرض ..! ونظرى يرتفع عن الأرض ، ويستقر على الطريق . وكانت تسير هادئة ساكنة ، ولما اقتربت منى سمعت صوت الفأس .. فمالت برأسها ، وتمهلت فى سيرها لحظة .. ثم استأنفت السير حتى اقتربت منى جدا ، وقالت:
« آه .. أهذا أنت ؟ .. إنك لا تنام كالشياطين .. ! »
فلم أرد عليها ، وأخذت أضرب فى الأرض .
« أتعمل فى هذه الساعة .. إن النور لم يطلع بعد .. ! »
« يجب أن أهيىء القناة قبل أن تدور الشواديف .. »
« ولكن هذا جهد شاق .. شاق جدا .. يضر بك ويفنى قوتك »
« إن هذا لا يضر .. ولا شىء يفنى قوتى إلا الموت .. »
فابتسمت ، ومضت بالجرة ونزلت إلى النيل ... ألقيت الفأس . ووقفت على رأس المنحدر أرقبها بعينين زائغتين .. وطلعت ، ورأتنى واقفا كالناطور ! فوضعت الجرة على حافة الطريق لتصلح من ثوبها .. وقالت :
« لماذا تقف هكذا .. أتريد أن تستحم .. ؟ »
« أجل .. »
« فى طريق النساء .. إنك شيطان .. ! »
« لقد انقطعت الرجل .. وسأذهب بعيدا .. دعينى أساعدك على حمل الجرة .. »
ووضعت يدى على يدها ، وهى ممسكة بأذن الجرة .. وسرى فى جسمى اللهب .
نظرت إلىّ .. وأدركت ما يدور فى خاطرى .. وشددت على ذراعها .. فقالت :
« دعنى أمض .. لماذا تنظر إلى هكذا .. دعنى أمضى .. »
وكانت تهمس ، ولكنى شددت على ذراعها بقبضة من فولاذ . وحملتها.. وفى سرعة البرق دخلت بها الحقل .
*     *     *
وقالت لى وهى تحمل الجرة عائدة إلى القرية :
« إنك وحش .. ولكنى أحب الوحوش .. ! »
*     *     *
ومرت الأيام ، وكانت مستسلمة بكليتها لى ، وشاعرة بنشوة لا تصور ، وكانت تأخذ منى كثيرا ، ولا آخذ منها شيئا .. ولم تكن من أولئك النساء اللواتى يشعرن بعد الجريمة بعذاب القلق ، ويقظة الوجدان فيرحن يقطعن حسرات ويرسلن العبرات ! لم تكن من هؤلاء فى شىء ، بل كانت تزداد على الأيام فجورا وسعيرا ، وأزداد معها نزقا وطيشا .
عندما كنت صغيرا ، كنت أخرج مع لداتى من أبناء قريتى إلى النيل ، ونتسلق صوارى المراكب إلى أن نصل إلى قمتها .. ونقفز من هذه القمة إلى الماء .. ونغوص إلى القاع حتى تلمس أقدامنا الوحل ! ثم نشب بعد ذلك فى بطء ، ويصافح وجهى سطح الماء فأنفض رأسى ، وأنا شاعر بدوار لذيذ ! وهذا هو حالى مع هذه المرأة ، فأنا غائص إلى الأعماق ، وشاعر بنفس الدوار.
كان جسمها من السعير ، وكانت روحها تتلظى أبدا فى النار ، وكنت كأنما شددت إليها بسلاسل من الحديد ، فما من فكاك .
وكانت روحى تستيقظ من حين إلى حين ، فأشعر بعذاب قتال ، لقد كنت ناعم البال ، قرير العين ، مثلوج الفؤاد ، قبل أن ألتقى بهذه المرأة ، فلما التقيت بها ، لفتنى العاصفة الهوجاء فى طياتها ، وكدت أذهب مع الريح !
ولقد كان الرفاق يذهبون جميعا للصلاة فى يوم الجمعة ، وكنت أتخلف وحدى .. فما كنت أستطيع أن أذهب معهم .. كان جسدى قد سقط ، وروحى قد تلوث ، فكيف أقف أمام اللّه كما كنت أقف من قبل .. ويل لى من العذاب.. كنت أتبع الرفاق ببصرى ، وأنا واقف فى مكانى كالمنبوذ ، وأود لو أتمرغ فى التراب .
*     *     *
كانت الشواديف دائرة على أشدها ، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب ، وفعل نسيم الغروب فى أجسامنا فعل السحر ، فازددنا نشاطا وقوة .. ودارت الشواديف فى جنون ، وكنا ، نغنى ونشيع النهار المولى .. وسقط أحد الشواديف فجأة ، مالت قوائمه ، وتحمل عجزه على الأرض .. وصعدت مع أحد الرفاق لرفعه .. وفيما أنا أدور ، وعلى صدرى هذه الكتلة الضخمة من الطين ، زلفت رجلى وسقطت إلى أسفل .. وجرحت جرحا بليغا واختلط الدم الغزير بالماء .. وغدا كل شىء أحمر ...
وكفت الشواديف عن الحركة . ونظر إلى الرفاق فى ذهول ، وشفقة وألم. وحملونى إلى البيت .
وكان عباس أقوى الرجال من بعدى .. فاحتل مكانى ، وأدار دفة العمل أثناء مرضى .
*     *     *
وطالت أيام مرضى .. فلم يكن هناك علاج ولا طب ، فقد تركت نفسى لرحمة الأقدار .. وتطور الجرح ، وأصبت بالحمى ، وكنت أهذى طول الليل فى غرفة حقيرة قذرة ليس فيها نور ، ولا هواء ، ولا تراها عين الشمس . فلم يكن فيها غير منفذ واحد ، وهو بابها الصغير ! وكانت الحشرات تمرح فيها فى الليل ، والذباب يملأ جوها فى النهار ، والروائح الكريهة تنبعث من كل مكان .. وكنت ملقى على حصيرة قذرة فى ركن من الغرفة . وتحت رأسى وسادة أقذر منها .. فأى عذاب وألم ، وأى حياة يحياها الريفى المسكين.. ! إنه إذا عاد من الحقل ، ودخل البيت ، أو ما يسمى بيتا شعر بالاختناق ، ولكن حسه يبلد على مر الأيام ، وعينه تألف القذارة ، كما يتعود بطنه الجوع . فإذا مرض أرهف حسه ، ورجعت إليه مشاعره من جديد، وذكر المدينة وما يجرى فيها .. وراح يتصور القصور الشامخة ، والحدائق الغناء .. والمستشفيات والأطباء فى كل مكان فى المدينة .. وتفتحت آفاق نفسه ، وتاقت لأطايب الحياة ومناعمها ، وتحسر على ما مضى من عمره فى فقر وعذاب . وأحس بالألم ، وويل للمظلوم إذا شعر بأنه مظلوم .
كنت أقضى الليل ساهرًا ، وأفتح عينى فى الظلام ، وأحس بعباس وهو يتسلل من الغرفة فى أخريات الليل .. وأسائل نفسى إلى أين يذهب ! .. فإذا رجع نام كالقتيل ! أهو عائد من عندها ؟ لقد كنت أنام هكذا .. بعد كل موعد معها .. فمن المحتمل جدا .. أنها أوقعته فى حبالتها .. وهى تواعده كل يوم كما كانت تواعدنى ، وتأخذه إلى نفس المكان ! فيالسخرية الأقدار.. كنت أدور ببصرى فى الغرفة كالمجنون حتى أستقر على وجهه ، وأود لو أعرف الحقيقة ، الحقيقة ليس إلا .. فقد كان الشك ينهش قلبى .
*     *     *
وكان أول شىء فعلته بعد أن قويت على السير ، ورجعت إلى بعض قوتى، أنى ذهبت إلى الحقل مبكرا لأراها .. ورأيتها وحادثتها وواعدتنى ، وجاءت فى هذه المرة فى نصف الليل ، ولم تبق طويلا .. وكانت تنظر إلى عينى فى استغراب ، ولم أدرك سر نظرتها ..
وقابلتها بعد ذلك مرات ، وكانت فى كل مرة لا تمكث سوى دقائق قليلة، وتتعلل بالأكاذيب .
وذات مرة أمسكت بذراعها ، وقلت لها فى غضب :
« ما الذى جرى يا ناعسة .. لقد تغيرت .. لماذا لا تمكثين غير لحظات ، وتمضين لطيتك .... ؟ »
« إن طوفان بدأ يلاحظ .. وأنت تعرف الثور عندما يثور ! »
وكانت تكذب ، فليس لطوفان ، ولا ألف رجل من أضرابه حساب فى نظرها ، وما من شىء كان يخيفها ويحول بينها وبين رغباتها ، وما من إنسان تخشاه .. فقد تقمصتها روح شيطان .. ولكننى تغيرت فتغيرت .. ملت وضجرت ، لأنها لم تعد تحس بقوة سواعدى .
*     *     *
ورأيتها ذات مساء تديم النظر ، فى سكون ، إلى عينى ، ثم تولى وجهها مفزعة ! فسألتها :
« لماذا تنظرين إلى هكذا ...... ؟ »
فعاد الهدوء إلى وجهها ، وارتسمت على فمها ابتسامة باهتة ، وظلت صامتة .
« لماذا تنظرين إلى عينى هكذا .. ؟ »
وهززت ساعدها .. فقالت فى صوت كالهمس :
« أرى فى عينيك شيئا رهيبا .. ! »
« ما هو .. ؟ »
« لا أستطيع أن أبوح لك به الآن .. دعنى أمض .. »
« لن أدعك تذهبين .. حتى .. حتى .... »
« إنك مخبول .. دعنى أمض .. لا شىء فى عينيك .. »
ومضت فى جوف الظلام ...
*     *     *
وسرت وراءها ذات ليلة .. وأحست بى فتوقفت عن سيرها ، وتقدمت حتى وقفت أمامها ، وأمسكت بذراعها ، فأفلتت ذراعها من يدى بقوة كمن أصابته لدغة عقرب ! وفى مثل لمح الطرف انقلبت ملامح وجهها إلى وجه نمرة !
وقالت بصوت يرتعش ، وهى ترسل من عينيها نارا :
« ما الذى تريده .. ؟ »
فأرسلت يدى إليها مرة أخرى ، فصرخت فى وجهى :
« ابتعد عنى .. لا تلمسنى أيها القذر ... ! »
شعرت بغيظ شديد ، وتلفت حولى فلم أجد إنسانا .. ليس هناك سوانا ، ونظرت إليها نظرة مجنون .. كان قلبى يتقد من الغيظ ، وعيناى ترسلان وهجا من نار .. وأدركت ما يدور فى ذهنى ....
فقالت فى هدوء ، وشفتها السفلى متقلصة ، وعينها لا تتحول عن وجهى:
« هل تحسب أنك تخيفنى بهذه النظرة ! .. أنا لست ملكا لك ، ولا ملكا لأحد .. أنا حرة طليقة كالطير ، أطير فى كل مكان .. وما لأحد سلطان على.. وما من شىء يخيفنى .. وما من شر يصيبنى من إنسان .. أما أنت فستساق يوما إلى المشنقة بين صفين من الجند .. ! »
ومضت عنى ، واحتواها الظلام ، وبقيت مسمرا فى مكانى ، ملصقا بالأرض ، كأنى أحد النواطير القائمة فى الحقل لتخيف العصافير ...
*     *     *
ونضج حقل الذرة وأخذنا نقطع الكيزان ، ونكومها فى طرف الحقل .. وكان ثلاثة منا يبيتون فى الغيط مناوبة ، ومعهم سلاحهم ، وكان الحقل قد قطع نصفه وبقى نصفه ، الآخر قائما .. وكان علينا النوبة ، أنا وصاحبى عباس ، ورجل ثالث .. وكانت الليلة مظلمة ساكنة الريح ، ففرشنا الزكائب وتمددنا عليها ، وأعيننا تحصى النجوم فى السماء .. وآذاننا إلى كل حس .. وكانت رقعة السماء منبسطة ، والنجوم تتهاوى فى ثلث الليل الثانى كالشهب ، وكان النيل قد فاض .. وأخذت الضفادع تنقنق .. احتفالا بفيضانه ! واعتمد رفيقنا الثالث على حزمة من القش ونام ، وبقيت أنا وعباس نتحدث .. وكان بين الفينة والفينة يرفع بصره إلى الطريق .. ثم يضع رأسه على الزكيبة .. وأكثر من هذه الحركة .. فسألته :
« لماذا تدور ببصرك هكذا .. ؟ »
فقال :
« أخاف على الناقة .. »
وكانت باركة .. على مسافة منا ..
فقلت له :
« لا تخش شيئا .. بركها هنا .. على مرمى البصر منا »
فنهض وأخذ بخطام الناقة .. وعينه تتلفت كأنه يبحث عن شىء . ثم أناخها عن قرب .. وعاد فتمدد ..
وأخذنى النوم ، وصحوت فتفقدت رفيقى فلم أجده بجوارى ..
ودرت فيما حولى .. ولمحت امرأة خارجة من الحقل .. مضت فى الطريق وهى لا تتلفت .. ورفعت وجهى ، وعرفتها .. لقد كانت هى بعينها ، بلحمها ودمها ومشيتها ، ولا أحد يمشى غيرها ، فى غلس الليل ، وليست هناك امرأة تركب الخطار مثلها .. فى سبيل إرضاء رغبتها .
وسحبت البندقية من تحتى ، كنت فى حالة هياج وخبل .. وكانت الغيرة العمياء قد تملكتنى .. لماذا لا أقتل هذه الحية ، وأريح البشرية من سمها ؟!
إنها قتلتنى ، وستقتل عباس من بعدى .. ثم ترمى حبائلها وشباكها إلى رجل آخر .. وتأخذ من كل رجل كل قوته .. فإذا ضعف أمامها لفظته ، وطرحت به بعيدا .. وكم قتلت من الرجال قبلى ، وكم ستقتل من بعدى .. وجذبت الأكرة ، وسمعت حركة الرصاصة وهى تستقر فى الماسورة ، وصوبت وسددت ، وبقيت ثانية أرتعش ، ورأيتها تتلفت ، أدارت وجهها... ورأيت عينيها ، بعين الخيال ، تنظران إلىّ فى قوة .. وهى تقول :
« لا أحد .. يستطيع قتلى .. وما من شر يصيبنى من إنسان .. أما أنت فستساق إلى المشنقة بين صفين من الجند .. ! »
وغامت عيناى .. وسمعت صوت رفيقى الثالث وهو يقول :
« ما الذى جرى يا نعمان .. أترى شيئا .. ؟ »
فأجبته فى صوت يرتعش :
« ألمح ظل ثعلب .. وكنت أود أن أصطاده ، ولكن اللّه أراد أن يذهب إلى سبيله ! .. »
ووضعت البندقية فى مكانها ، بعد أن أخرجت الرصاصة .
وجاء عباس .. بعد مدة .. وعندما لمحته قادما من بعيد تناومت .. وحدق فى وجهى طويلا ، ثم ارتمى على كوم من القش ونام ، دون حس ولا حركة، كأنه كان يقطع الأحجار طول النهار فى المحجر !
*     *     *
انتهت أيام العمل وعدنا نتبطل ونركب الحياة بشبابنا .. وكان أحد أبناء الأعيان سيتزوج .. ولما كان محبوبا ووحيد أبويه ، فقد عم الفرح كل بيت فى القرية ، وكان الفرح قد بدأ قبل الزفاف بأسبوع بالرقص على الخيل ، ولعب العصا من العصر إلى الغروب ، وبعد العشاء يدور السامر إلى الفجر .
وأعدوا أرضا منبسطة فى خارج القرية لذلك ، ولما كنت من اللاعبيين بالعصا ، فقد كنت أذهب إلى هناك ، عندما أسمع أول ضرب للطبل ، وأول صوت للمزمار .
وكنت قد شفيت تمامًا ، ورجعت إلى قوتى ، وتطلعت إلىَّ الأنظار ، فقد كنت أبرع من دار بالعصا فى حلقة ، وكان عباس أيضًا من البارعين فى هذه اللعبة ، ولهذا كان يلاعبنى كثيرًا ، على أن الغلبة كانت لى دائمًا .. وظللت بطل الميدان ، ومحط الأنظار ، وكان سرورى بذلك عظيما .
وكان السامر يبدأ بعد العشاء ، وتشعل النيران لتحمى بها الدفوف ، ثم يدور الرقص فى ضوء القمر ، وتحت نوره الفضى ، ويزمر الزامرون ، وترقص الراقصات ، والسامر كله يصفق فى مرح وحبور .. وتتثنى الراقصات ، ويدرن فى الحلقة ، يوزعن البسمات على الجالسين ، ويجمعن النقود !
*     *     *
وجاءوا بناعسة ذات ليلة .. وكانت ترقص مسبلة العينين ، مفتوحة الشفتين ، كأنها فى نوم هادىء تتخلله ألذ الأحلام ! وكان جسمها يتلوى ويتثنى ويدور .
وكان عباس فى الصف الأول من الحلقة ، فكانت تدور إلى أن تحاذيه ، فتقف أمامه ، وتطيل الوقفة ، وهى تميد وتتمايل ، وعلى ثغرها ابتسامة مغرية.. ثم تميل عليه ، وتأخذ منه النقود بفمها ، وتبتعد عنه لتقترب منه ، وتدور فى السامر كله ، وعينها لا تتحول عنه . وكنت أشاهد هذا بعينين سادرتين .. وكانت تمر أمامى ، ولا تكاد تتوقف ، ولا تكاد تحس بوجودى .. فكان الغيظ يدفعنى إلى أن أحمل على السامر ومن فيه ، وأحطم كل شىء تحطيما .
وانفض السامر ، ومشيت إلى البيت مخذولا كسير القلب .
*     *     *
وابتدأ لعب العصا فى اليوم التالى .. وكان عباس يلاعبنى ، وصورة الأمس لا تزال فى مخيلتى .. كنت أتمثلها وهى تدور به ، وتتثنى حوله ، وتكاد ترتمى بين ذراعيه أمام الناس !
دار بالعصا فى الحلقة ، وعيناى لا تفلتانه ، ولوح كل منا بعصاه .. ووضعها على الأرض .. ودار .. ودرت .. وتقدم .. وتقدمت .. وتشابكت العصوان .. وضربنى ضربتين تحت إبطى .. وشعرت بالذلة .. وكان الغضب، وما حدث فى اليوم السابق قد أعميا باصرتى فلم يكن لعبى إلا لغوا .. وفقدت كل قدرة على التوجيه .. وكنت لا أرى إلا صورة الأمس .. صورة تلك المرأة الملعونة التى ستذهب بشبابى .. ورأيت ذراعيه تلوحان بالعصا .. ولم تكونا فى نظرى تلوحان بالعصا .. بل كانتا تدوران حول ناعسة .. ولا شىء غير هذا !
ودار وضربنى ضربة قوية .. وضج السامر .. فضربته ضربتين ولكنه تلقاهما على عصاه .. فزادنى ذلك غيظًا .. وخرجت عن طوقى .. وكان محتفظًا بحواسه كلها .. وضربنى ضربة أخرى نزلت تحت ابطى .. واحمرت عيناى .. وتراجعت إلى الوراء وضربت بكل قوتى .. ضربة واحدة .. حطت على صدغه .. وسقط .. واستولى الذهول على الناس .. وانقطع صوت المزمار .. !
*     *     *
ووضعوا الحديد فى يدى ، وساقونى وحولى نطاق من الجند إلى المركز ..
وسرنا على جسر القرية الطويل ، مع الشمس الغاربة ، فى سكون وصمت .. ولمحت ناعسة عن بعد نازلة إلى الطريق ، وسائرة إلى النيل تتهادى على مهل ، وعلى رأسها جرتها .. كانت تمشى الهوينى كعادتها فى سكون وهدوء ظاهرين ، كأن لم يحدث شىء !
إنها المرأة .. إنها الحياة الماضية فى طريقها لا تعبأ بشىء مما يجرى من أحداث ...

زهور ذابلة
غادرنا الجيزة تلك المدينة الفقيرة الكئيبة ، وانحرفت بنا السيارة فى طريق طويل على جانبيه الشجر ، وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب وبدت المزارع والجداول ومن ورائها الأهرامات .. أشد شىء أخذًا فى تلك الساعة من النهار .
وكانت السيارة من سيارات نقل الموتى .. كانت طويلة وأنيقة ومن أحسن طراز .. وكانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام .. القسم الأمامى منها للسائق، والخلفى للميت ، والوسط لأهل الميت ، وفى هذا المكان جلست وحيدًا مكروبا ، وعيناى سابحة فى الأفق . وكانت الجلسة فى السيارة مريحة، ولكن أعصابى كانت متوترة ، وكنت أشعر بضعف جسمانى شديد ، فلقد مرت علىّ أيام ثلاثة لم أذق فيها النوم إلا قليلا . كنت أحمل العبء وحدى . ولقد بذلت كل ما فى وسعى ، وبذل معى الأطباء لننقذ أحمد ، ولكن نفذ القضاء ، وذهبت جهودنا كلها هباء .
انتهى فى الساعة الرابعة من الصباح ، ولم ينبس بكلمة ، وكنت بعيدًا عنه. وجئت لزيارته فى الصباح ، ومعى باقة من الورد وزجاجة من العطر ، وكان يحب الورود والرياحين .. ودخلت غرفته على أطراف أصابعى كعادتى. ولكننى وجدت سريره خاليًا . فأدركت أن كل شىء قد انتهى ..
وسمعت من يقول :
"حدث له نزيف داخلى .. "
وهكذا انتهى وهو أشد ما يكون شبابًا وفتوة ، انتهى فى الساعة التى بدأت فيها الحياة تبسم له بعد طول عبوس ، وتتطلع عيناه إلى الحياة السعيدة بعد طول جهاد وعناء وكد .
ولقد أخذ فى أيامه الأخيرة يكثر من الكلام ، على الرغم من طبيعة الصمت التى لازمته وكان يقول لى : « إن المرء لا يعرف قيمة الحياة إلا إذا رقد على هذا السرير .. إن هذه الرقدة تكرهك على التفكير .. والتفكير فى الأشياء التى لم تكن تخطر لك على بال . والمرء بعد المرض يزداد صلابة وقوة وعزما ، وتعمق نظرته للحياة ، ويصل به التأمل إلى أعمق أعماقها ، لقد كنت أفزع من وخزة دبوس .. وأنتفض فرقًا من لا شىء .. فلما رأيت هؤلاء المرضى الأبطال الذين يتعذبون فى صبر وصمت ، أدركت نعمة الصبر التى تنزل على الإنسان فى محنته .. وأخذت أخجل من نفسى عندما كنت أتألم من لا شىء كطفل صغير .. والألم يصهر النفس ويخلصها من الأدران ، وأنت لا تعرف نعمة النفس المطمئنة إلا إذا رقدت هذه الرقدة . هنا تصفو نفسك من الشهوات وتدرك أن كل شىء باطل .. كل شىء زائل .. نفس يخرج ولا يرتد ثم ينتهى كل شىء .. إنه حقًّا شىء مروع ، ولكن لا بد أن ينتهى بنا المصير إلى هذا ...... » .
وتحولت بعد هذه الخواطر إلى المروج المحيطة بنا ، وكانت السيارة تخطف خطفًا .. والغسق يزحف والنهار يولى ..
ما أعجب الحياة .. وما أعجب الموت .. نفس واحد يخرج ولا يرتد ثم ينتهى كل شىء ... هكذا ... أخذت أدير كلام صاحبى فى رأسى وأذكر الصور التى مرت على فى المستشفى .. كان هناك رجل فى الغرفة المجاورة لغرفته .. وكنت أرى هذا الرجل كلما ذهبت لزيارة أحمد ، وفى أصيل يوم كان باب غرفته مفتوحًا ، وكان الرجل راقدًا فى سريره ، وعلى رأسه ابنته . وكان يتحدث إليها بصوت عال ، وهو مفتر الثغر طروب . وبعد دقائق قليلة سمعت حركة فى غرفته ، ودخل الطبيب وبعده الممرضة ، وخرجت الممرضة وفى يدها حقنة فارغة ! وبعد لحظات عاد السكون إلى الغرفة . وانتهى ميعاد الزيارة .. وفى طريقى إلى الخارج سمعت الفتاة تبكى . وتلفت .. وتقدمت نحو غرفة الرجل . فوجدته على حاله كما رأيته من قبل ولكنه لم يكن يتنفس..!
وكانت السيارة تتمهل قليلا ، وهى تجتاز بعض القرى .. وكان القرويون يتطلعون إلى السيارة ، فإذا أدركوا أنها من سيارات نقل الموتى ، ذكروا الله وترحموا على الميت .. ولقد رأيت فى هذه الوجوه من العواطف الإنسانية ما جعلنى أنسى كل ما لقيته فى المستشفى من عناء ونصب .
إن العاملين فى هذه المستشفيات قد تجردوا ، كما خيل إلى ، من كل عاطفة بشرية .. يستوى فى ذلك الطبيب المتعلم والممرض الجاهل .. والسرير عندهم أغلى من الراقد عليه ، وهم ينقلون الميت من سريره إلى غرفة الموتى ، ويتنفسون الصعداء ، وكأنهم يرمون بكلب أجرب إلى الطريق .
إنها الحياة فى تلك المستشفيات ، الحياة التى لا تعرف الرحمة ، الحياة التى تسحق الضعيف والفقير سحقا .
*    *    *
وقفنا عند مقهى صغير فى الطريق ، ونزل السائق ليشرب الشاى .. فهو وإن كان فى شرخ شبابه وريعان صباه ؛ ولكنه سيسهر طول الليل .. وسيقود السيارة فى تلك الظلمة الشديدة اثنتى عشرة ساعة وقد تزيد ..
وعاد إلى السيارة وقد عصب رأسه واستعد لليل .. وكان هادئًا قوى الأعصاب قليل الكلام . ولعله تعود ذلك بحكم عمله .. وكان ينهب الأرض نهبا وكأنما يسير بالسيارة على بساط معلوم .. وقد استرحت إلى صوت السيارة وحسها فى الطريق . وأرسلت عينى إلى الليل الساكن ، وإلى الريف الحزين ، وكنت شبه نائم ، واسترحت إلى هذا السكون ، وإلى نسيم الليل ، وإلى الوحشة الشديدة .. فما اعترضتنا سيارة ، ولا رأينا ظل شبح فى الطريق. كان الطريق مقفرًا ، والليل رهيبًا موحشا ، وكل شىء يبعث على السكون ، إنها سيارة الموتى وكل شىء ميت فى الطريق .
وكنت أستفيق من ذهولى على صوت جندى المرور فى النقط ، وما أكثر هذه النقط فى الطريق .. كان يعترض السيارة وبيده فانوسه الأحمر :
"كل شىء تمام يا أسطى ؟" .
"كل شىء تمام يا أفندم ..!" .
وتحركت السيارة ..
*     *     *
وأغمضت عينى .. وكنت أود لو أنام كما ينام قريبى فى الجزء الخلفى من العربة .
ولعلى غفوت .. فقد تنبهت على حركة السيارة وهى تقف عند نقطة من نقط المرور .. وكان هذا الجندى فارعا ، أسود كالليل .. ودار حول العربة ، ورفع مصباحه فى وجه السائق ، وطلب التصريح .. ثم قرأه . وطواه ورده إليه .. ودار حول العربة مرة أخرى ! وفتح الطريق فى تثاقل . وتحركت السيارة ، وسمع السائق من يهتف به فلم يتوقف ، فأشرت عليه بالوقوف .. فوقف .. وسمعنا من يقول :
« من فضلك خذ هذه الست معك إلى سمالوط .. » .
وكان رجلا من الفلاحين .. وخلفه امرأة على رأسها متاعها .. ولم يرد عليه السائق وظل صامتا .. ولما اقترب الرجل من العربة ، وأدرك أنها من عربات الموتى .. أظهر أسفه وهم بالانصراف .. فقلت للسائق :
« خذها بجوارك ... » .
وركبت المرأة .. وانطلقت بنا السيارة .
*     *     *
وكانت المرأة جالسة فى الركن الأيمن من المقعد .. أمامى .. وكانت صامتة ، ولم أستطع أن أتبين من جلستها سوى أنها طويلة القامة . وكانت طرحتها السوداء تغطى رأسها وعنقها ومنكبها .. وكان النور فى المقعد كابيا.. وجلستها معتدلة ، فلم أستطع أن أقرأ صفحة وجهها .
وكان السائق قبل أن تجى المرأة قليل التدخين .. فلما ركبت بجواره أشعل سجائر كثيرة . وبدت على يديه دلائل التوتر . وابتدأ يتكلم ...! ورأيته ينظر إليها نظرة جانبية سريعة ثم عاد إلى الطريق .. واجتزنا قنطرة ، ثم مررنا على جسر من الجسور فسار عليه مسرعًا ، وأدركنا بعد مسير أكثر من عشرة أميال أننا ضللنا الطريق ، فارتد وعلى وجهه دلائل الغضب . ولما بلغنا قرية من القرى توقف ، وأمر المرأة بالنزول فسألته :
« لماذا .. ؟ »
« أنا سائق لعربة الموتى يا سيدى ولا أحب أن تجلس نساء بجوارى ! » ؟
« ولكن أين تذهب هذه المسكينة فى هذا الليل .. ؟» .
« وراءنا سيارات كثيرة .. . وهذه ليست عربة للركاب ... »
قلت له أخيرًا :
« دعها تركب بجوارى .. »
ففتح لها باب المقعد من الناحية اليسرى .. وصعدت المرأة وهى صامتة وتحركت السيارة .
*     *     *
وجلست المسكينة منزوية فى العربة ، وقد غطت وجهها كله ، واتجهت إلى النافذة المفتوحة . وبدا لى أن أرفه عن نفسها لما نالها من كلام السائق فسألتها :
« أنت من سمالوط .. ؟»
« لا .... يا سيدى ... أنا رايحة لأختى عند نخلة أفندى .. »
قالت هذا فى صوت ناعم ، وفى سذاجة أزاحت الهم عن صدرى .. وجعلتنى آنس بها ، وأكثر من الحديث معها .. وأدركت وأنا أتحدث مع هذه المرأة ، لماذا يجتمع الناس فى الجنازة ويعزون أهل الميت .. ؟ فقد تحملت ثقل الحزن وحدى ، ولم أجد فى المستشفى صديقا ولا رفيقا بل حانوتية فى كل مكان . يساوموننى على نقل قريبى كأننى سأشحن بضاعة إلى السوق .
ولما سألتنى عن أحمد وعرفت أننى أحمله إلى أبيه وأخته ، وهى فى مثل سنها اخضلت عيناها بالدمع .. فأغرورقت عيناى .. ووددت لو أمسح بيدى على ذراع هذه المرأة وألمس خديها .. ثم أدفن صدرى فى صدرها وأبكى .
وتراجعت إلى الخلف ، ورأيت وجهها لأول مرة ، وهى تنظر إلىّ فى سكون وحزن .. كانت جميلة وصغيرة .. وقد بدا يعصرها الفقر .. حزن بارز على الشفة ، وجوع واضح على الخدين ، ووجه لوحته الشمس فى الحقل أو فى الطريق .. لم أكن أدرى .
كانت تنظر إلىّ بعينين ذابلتين .. وتحاول أن تصل بهما إلى أطواء نفسى ، ولكننى وجدت نفسى مرة أخرى أغيب عنها ، وأرسل البصر إلى الليل .. وأخذت أرقب النجوم وأفكر .. إننى الآن فى عربة .. وبجوارى فتاة ريفية فى مثل جمال الفجر .. وهى تنظر إلىّ ، وقد يكون فى نظرتها اشتهاء .. ولكننى بعيد عنها ، وإن كنت أقرب شىء إليها .. بعيد عنها بجسمى ونفسى أفكر فى الموت .. وما بعد الموت .. والزهور الذابلة فى الحديقة .. والأوراق التى تتساقط من الشجر . وأحمد الذى بينى وبينه نافذة زجاجية صغيرة .. فإذا فتحتها ، ربما طالعتنى رائحة كريهة ، عفن الموتى .. ما أعجب الحياة .. الشاب الذى كنت أحادثه بالأمس ، قد غدا اليوم جيفة !
ونظرت إلى متاعه الذى وضعناه بجواره .. ووددت لو أقهقه ، وأجلجل بصوتى ، وأقطع هذا السكون العميق ، وفى هذا التيه من الخواطر المحزنة تنبهت على حركة شديدة فى محرك العربة .. وخفت سرعة العربة .. ثم وقف المحرك .
*     *     *
ونزل السائق ، ودار حول مقدمة العربة .. ثم انحنى ورفع الغطاء .. وأخذ يعالج تلك الآلة الدقيقة .. وبعد دقائق قليلة كان عرقه يسيل ، وظهر على وجهه اليأس .
وأخذت الهواجس تدور فى رأسى . ماذا يحدث .. لو تقطعت بنا السبل ، وبقينا فى هذا المكان إلى الصباح .. وكان السائق ينظر إلى الطريق يمينا وشمالا وهو حائر .. ورأينا نور سيارة من بعيد . واقتربت وكانت من السيارات الكبيرة المتجهة إلى القاهرة .. ولوح لها السائق بيده فتوقفت ونزل سائقها .. ونظر فى محرك العربة ، وأدرك العلة .. وركب معه سائقنا إلى مغاغة ليجىء بمن يصلح السيارة . وبقيت وحيدًا مع المرأة فى هذا الليل .
*     *     *
بقينا صامتين مدة طويلة .. وكنت مضجعنا ، ومرسلا بصرى إلى سقف العربة . وكانت هى مائلة إلى النافذة ، ومطلة برأسها على الطريق .. لم تكن تتحرك .. حتى يخيل للناظر إليها أنها نائمة .. ما أشد سكون هؤلاء القرويات وما أحلى وداعتهن .. أى سر فى الحياة .. بعد أن بارحنا السائق بلحظات ، ووجدت نفسى وحيدًا مع هذه المرأة .. سرت فى جسمى رعشة . ووجدت الدم يتدفق فى عروقى من جديد .. ونسيت المرض والحزن .. والموت .. هل كنت أتمنى هذه اللحظة ، وأنا فى غمرة هذه التعاسة المرة ، وهذا التعب الجسمانى البالغ ؟ ربما .. فقد شعرت بعد أن تركنا السائق أن حملا قد انزاح عن صدرى . وأن الفاصل الذى كان يحجب عنى هذه المرأة قد أزيل .. ونسيت الموت .. وصاحبى الراقد خلفنا فى العربة . نسيت كل شىء يتصل بهذا ، واتجهت بكليتى إلى هذه المرأة ، وكانت قد رفعت رأسها وواجهتنى . ونظرت إلىّ .. وعاودتنى الرعشة من جديد .. وابتدأ العرق ينضح على جبينى .. واقتربت منى وقالت فى صوت خافت ..
« أخائف .. أنت ؟ » .
فقلت لها بصوت يرتعش :
"أبدا ..."
ومددت يدى دون وعى ، كانت يدى تزحف فى الظلام كالعنكبوت .
"يدك ساخنة .. !"
ولم أقل لها شيئًا .. وتركت يدى فى يدها .. وأغمضت عينى ..
"مالك انت محموم ...؟"
أنا محموم ..! كان العرق يسيل من جسمى كله .. وكنت أرتعش .
ومرت يدها على يدى وذراعى .. ووجدت يدى تمسح على ذراعها .. وشعرت بنعومة بشرتها تحت ملمس أصابعى .. وأحسست بجسمى يتخدر . وسكنت الرعشة وجف العرق .. وانحدرت يدى عن ذراعها .. وكأنى كنت فى غيبوبة ورجعت إلى نفسى ، وبحركة لا شعورية .. مددت رأسى ونظرت من النافذة .. إلى صاحبى . وكان فى نعشه وعليه الغطاء الحريرى . هل تصورته تحرك ، ونظر إلينا .. ووضعت يدى على جبينى ، وملت إلى النافذة ، وابتعدت عن هذه المرأة ..
وبعد قليل عدت أفكر فيها من جديد وكانت قد وضعت رأسها على كفها ، ومالت إلى الوراء ، وأغمضت عينيها .. إنها تحاول النوم ، أو تحاول الإغراء .
هل تحاول هذه القروية معرفة ما يدور فى رأسى . إننى محطم الأعصاب من طول ما لا قيته من عناء فى الأيام الماضية ، وكنت أود رفيقا أو أنيسا فى الطريق ، وقد وجدت هذه المرأة .. وجدتها رفيقى وأنيسى عندما كانت السيارة تسير ونورها يخطف البصر فى الطريق . ولكن بعد أن توقفت السيارة، وأطفئت الأنوار . انقلبت عنصر شر لى .. وزادتنى عذابا وألما . فجلست بجوارها قلقا مهتاج الأعصاب ، لا أستقر على حال وأخذت أهز ساقى وأحاول أن أصرف ذهنى عنها ، ولكن هيهات .. كانت روحى قد تخدرت وتقمصنى الشيطان . وبدا لى أن خير ما أفعله هو أن أتحرك ، ففتحت باب السيارة .. فأحست بى وسألتنى فى جزع :
"إلى أين ..؟"
"سأتمشى قليلا .."
"لا تبتعد .."
"أتخافين ...؟"
"أنا .. أبدًا .. وإنما أخاف عليك من الذئاب ..؟"
ونزلت وكانت تنظر إلى بجانب عينها وتبتسم فى خبث ظاهر ..!
الذئاب ...! وضحكت ...
لقد أفلت من يدها . وشعرت بعد خطوات قليلة بالراحة التامة وفعل نسيم الليل فى الصيف ، والهواء الطلق فعل السحر فى جسمى ونفسى ..
*     *     *
وعاد السائق وأصلحت السيارة ونزلت المرأة فى سمالوط .. وتنفسنا الصعداء وانطلقت بعدها السيارة بأقصى سرعتها ليعوض السائق ما فاته .. وبلغنا منفلوط قبل أن يتنفس الصبح .
*     *     *
ووقفت بنا السيارة أمام منزل الميت .. وصعدت ومعى الحقيبة التى فيها متاعه ، واستقبلتنى أخته فى نهاية الدرج ، وكانت فى لباس أسود ، ولكنها لم تكن تولول أو تصيح . كان حزنها دفينا صادقا .. شددت على يدها وتهالكت على أريكة قريبة ، وأدرت عينى فى المكان باحثا عن أبيها . وعرفت نظرتى وقالت بصوت مفجوع :
"إنه نائم .. جاءته برقيتك وهو فى فراشه ومن وقتها لم يتحرك .. وقد أخبرت الشيخ عبد الحفيظ .. وأعد كل شىء ..."
ولم أعجب لذلك فقد كنت أعرف عنه الكثير .. ورفعت عينى إلى أمينة التى عاش من أجلها أحمد ، ولأجلها ضحى بكل شىء ، لأنه كان يعرف أن والده ميت حى .. لقد غدت امرأة .. الفتاة التى كانت تصنع لنا القهوة فى ليالى الامتحان قد اكتملت أنوثتها . وجمعت كل مفاتنها ولقد زادها الثوب الأسود جمالا .
ونظرت إليها وقلت بصوت حزين .
"أيقظيه فالوقت متأخر ، والسائق يجب أن يعود بالسيارة قبل .. "
ولما سمعت كلمة السيارة أجهشت بالبكاء .. وكان فى ناحية من البيت بعض النسوة فتركتها لهن ، ودخلت على أبيها فى فراشه ، وكان نائما على سرير من الحديد .. وتحته لحاف قذر كله حروق حمراء مستديرة .. وكان بجواره منضدة صغيرة عليها بقايا تبغ محترق .. وآثار قهوة فى فنجان . ثم زجاجة فارغة من الخمر .. وكأس مقلوبة .. وآثار خمر على الأرض . وفى الفراش .. وكان منظر الحجرة كريهًا ..
هذه هى حجرة مصطفى أفندى وهو فى فراشه .. كل شىء يبعث على الاشمئزاز .. حجرة سكير .. غارق فى الخمر إلى الأذقان .. ووقع نظرى على الدوائر الحمراء فى اللحاف .. وهو نائم عليه دون حس أو حركة .. إنه يدخن وهو مضطجع .. ويغلبه النعاس فتسقط يده بالسيجارة على الفراش .
ووضعت يدى على عاتقه وهززته بقوة فتحرك بعد لأى .. وقام كأنه يجر إلى المشنقة .. متثاقلا متخاذلا . واعتمد على ذراعى ، ونزلنا إلى الشارع ولما رأى السيارة انتفض .. ودب فى جسمه نشاط عجيب ، وأخذ يولول وينوح..! وجمع علينا القرية بكل من فيها من رجال ونساء ..!
*     *     *
وعدت من المقبرة إلى المنزل وقد بلغ منى الجهد .. ونمت نوما متقطعا وحلمت أحلاما مزعجة .. وكنت كمن أصيب بالحمى .. فذهل عن كل شىء وأخذ يهذى . ويطلب الماء فى كل دقيقة ، وفى جوفه أتون مستعر . وأتت إلىّ أمينة بمنديل سقته بالخل وعصبت به رأسى .. فقد أصبت بضربة شمس .
وفتحت عينى فإذا الليل قد أرخى سدوله على القرية .. وكان العرق قد تفصد من جسمى كثيرًا فشعرت بعده بالارتياح والانتعاش والعافية . ورحت أسترجع كل ما مر علىّ فى الأيام القليلة الماضية .. ثم تحركت من فراشى ، ونظرت من النافذة إلى الحقول وكان السكون يخيم ، والقرية ساكنة ، وسمعت حسا وحركة .. فأصغيت ، سمعت صوت أمينة كانت تتحدث فى صوت خافت يشبه الهمس ، ثم ارتفع صوتها ، ووضح صوت أبيها واشتد بينهما الكلام والعراك ، وسمعتها تنتحب ، فجريت نحوهما فوجدت والدها واقفا على سلم البيت وبيده شىء ، والفتاة تشده منه بقوة وهو يجاذبها فيه بعنف ، ويصيح مهددًا . وكان أحمر العينين أغبر السحنة ، ولما بصر بى صمت فجأة وترك ما فى يده ، ووقع بصرى على ما كان فى يده ، إنها بذلة أحمد التى حملتها معى من المستشفى !! وضمتها أمينة إلى صدرها وأخذت تنشج .. ووقف هو مشدودًا إلى الأرض فاغرًا فاه ، وهو لا تكاد عينه تطرف، ونظرت إليه فى قوة ، إنها بذلة أحمد وهو ذاهب بها إلى السوق ليبيعها ، ويشترى بثمنها زجاجة من الخمر ، نظرت إلى هذا الرجل الذى يقف الآن ذليلا أمام شاب فى سن ابنه ، لأنه يدرك شناعة فعلته ، ولكنه لا يستطيع أن يملك من أمر نفسه شيئًا . لم تعد له إرادة على الإطلاق ، إنه الضعف البشرى ، إنها الإنسانية المعذبة .. نظرت إليه فى وقفته الذليلة هذه ؛ وتذكرت فى الحال أبطال دستويفسكى العظيم .. وكنت أود لو أمسك بيد أمينة وأقول لها .. اركعى معى أمام والدك المسكين .. السكير .. كما فعل رازكو لينكوف أمام امرأة سقطت .. وقبلى الإنسانية المعذبة فى شخصه .. إن والدك ليس فظا ولا حقيرًا ولا جشعًا كما تتصورين ولكنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا ..
*     *     *
انسحب مصطفى أفندى من أمامنا ، وأخذت أحادث أمينة حتى كفت عن البكاء ..
واستيقظت فى الصبح على صوت أمينة وهى تبكى .. وعلمت أنه غافلها وأخذ البذلة .. وعاد ومعه زجاجتان من الخمر .!
ودخلت عليه حجرته فإذا به مستغرق فى نوم عميق كما شاهدته أول مرة ، وفى اللحاف آثار حروق جديدة ! ورائحة الخمر تنبعث من كل مكان فى الغرفة ..!
*     *     *
وبعد ساعة كنت أركب سيارة صغيرة إلى المحطة ، لنأخذ القطار السريع إلى القاهرة . وكانت بجوارى أمينة . كانت صامتة ، ولا تزال فى ثوبها الأسود .. وفى عينيها بقية من دمع ، ولكن وجهها كان يشرق ويغمر نفسى نورًا .


الشيخ عمران
كانت عندنا فرس من كرام الخيل ، خرج بها الخادم إلى المرعى وعاد بدونها ، ولم نكن ندرى أسرقت منه وهو عائد بالخيل فى ظلمة الليل ، أم ذهبت على وجهها فى الحقول ؟!.
وبحثنا عنها فى القرى والعزب المجاورة فلم نعثر لها على أثر .
وأخيرًا رأى والدى أن يرسلنى إلى الشيخ "عمران" فى النجع .. ليبحث عن الفرس قبل أن تتسرب إلى السوق .
وراح الخدم يخرجون الخيل .. وانطلقنا إلى النجع وقد انحسر الظل على دروب القرية ، وحميت شمس الضحى واشتد وهجها على الجسر . وكان معى خفيران من خفراء المزرعة ، مسلحان بأحدث طراز من البنادق ، فقد كان علينا أن نسير ساعتين على ظهور الجياد فى طريق مقفر يكثر فيه قطاع الطرق فى تلك المنطقة من الصعيد .
وأخذ "مسعود" ــ أحد الخفيرين ــ يحدثنى عن الشيخ عمران حتى أفزعنى. فقد قص علىّ أنه كان ذات ليلة فى مزرعة بطيخ له ، فمر تحته قارب صيادين ، ورأى الصيادون بطيخ المزرعة الناضج ، فسولت لهم أنفسهم أن يقتربوا منه ، وأحس بهم الشيخ عمران .. وجاء بهم بعد أن أوثقهم بالحبال ، ثم صنع من لحومهم طعمًا للأسماك !
وكان فى ثورة سنة 1919 على رأس الرجال الذين عبروا النيل إلى قرية "الوليدية" فى أسيوط .. وكمن هناك فى النخيل قرب الخزان حيث يعسكر الإنجليز ، وأخذ يحصدهم حصدًا ..
ولما أراد العرب أن يعبروا الخزان ، أرسلوا إليه فتقدم ومعه رجلان إلى موقع المدفع الرشاش المصوب على الخزان ، وظل يطلق النار حتى سكت المدفع .. وأدير الكوبرى .. ومر العرب يقرعون الطبول .
قص على مسعود هذا وغيره . وكنت أعرف الكثير عن الشيخ عمران ، أعرف أنه أشد الرجال بأسًا وأعظمهم جبروتًا ، وما من حادثة تحدث فى المنطقة بأسرها إلا يعرف سرها . وما من رصاصة تطلق فى الليل إلا يعرف مصدرها . إنه رجل رهيب ، إذا دخل قرية فى وضح النهار أرعبها وأفزع أهلها ، وإذا تنكر لقوم بطش بهم .. مسحهم من الوجود مسحًا . بدأ حياته كقاطع طريق صغير ، ثم تطور وعظم أمره ، وغدا أشد فاتك فى المنطقة وأعظم الرجال بطشًا ، كنا نسمع عنه الكثير من القصص المروعة ونحن صغار، وشببنا عن الطوق وصورة هذا الرجل تملأ قلوبنا رعبًا .
ولهذا ظللت طول الطريق أفكر فيه وأتمثله بعين الخيال ، رجلا فى طول المارد وبطشه ، له جسم ثور وقوة عنترة .. دائما مسلح ، دائما مقاتل .
واقتربنا من النجع ، وكانت الجياد تتصبب عرقًا ، والتعب قد بلغ منا منتهاه . ولاح لنا النخيل يطوق البيوت المبنية من الطوب الأسود ، ثم عيدان الذرة والحطب على السطوح ، والجريد والدريس والنواعير الخربة فى خارج البلدة .. والكلاب تنبح فى كل مكان ، إنها الصورة المكررة للقرية المصرية منذ الأزل .
ولم نجد الشيخ عمران فى النجع ، بل كان فى جزيرة وسط النيل ، فتركنا الخيل فى النجع ، وركبنا زورقا إلى الجزيرة .
*     *     *
وجدناه فى عريشة صغيرة على ربوة عالية فى طرف الجزيرة . ولقد ذهلت عندما رأيته ، كان رجلا متوسط الطول أقرب إلى النحافة ، مدور الوجه جامد الملامح ، ينسدل شاربه على فمه فى غير نظام ، جاوز الخمسين هادئًا ، ساكن الطائر . هل هذا هو الشيخ عمران الذى أرعب المنطقة قرابة ثلاثين عاما وما زال يرعبها ؟!.
رأيناه من بعيد جالسا القرفصاء وكان ينكت الأرض بعصا قصيرة ، ولم يكن يلقى باله إلينا ، ثم رآنا نصعد فى الطريق إليه فأرسل بصره ثم رده وعاد ينكت الأرض !! وكان يجلس فى ظل العريشة وحيدًا ... لم تكن حوله كلاب، وكيف تعيش الكلاب فى عرين الأسد ؟!
وعرف مسعود ، ونظر إلىّ قليلا ثم قال :
"إبراهيم ابن الشيخ عبد الرحيم ؟..."
"أجل ..."
فرحب ، وفرش لى "زكيبة" وجلست بجواره فى الظل ، وعيناى لا تتحولان عنه . لا ، إننى مخطئ . إن نظرتى الأولى كانت عاجلة . إن هذا الرجل ليس كالرجال ، إنه من طراز آخر ، إن له شخصية جبارة .
وشربنا القهوة ، وحدثته عن الفرس ، فضحك وقال :
"لم يبق إلا هذا ...!"
ثم أردف :
"لقد شرفتنا ، ونحن فى موسم الإيجار ، ولقد بدأنا فى جمعه فعلا ، وستحضر بنفسك تحصيل الباقى ، وتعود إلى والدك محملا بالمال .."
ابتسمت وشكرته . إن جمع الإيجار معناه أننى سأبقى مع هذا الرجل القاتل المطارد ثلاثة أيام أو أربعة فى هذه الجزيرة الموحشة .
وتغدينا وأكلنا البطيخ ، وصرف الشيخ عمران الخفيرين وهو يقول لهما :
"قولا للشيخ عبد الرحيم إن إبراهيم فى ضيافتى وسأرافقه حين عودته إلى القرية ... "
ومشى معى يطوف بالحقول .
*     *     *
مررنا على مزارع البطيخ على شاطئ الجزيرة ، ورأيت الفلاحين يقفون خاشعين صاغرين أمام الشيخ عمران . كانوا فى أخصاص من "البوص" قائمة فى صف واحد فى نهاية الحقول . لكل مزرعة خصها وكلابها ورجالها ، فإذا بصروا بنا نهضوا ، وزجروا الكلاب ، ودار الفلاح فى حقله يضرب البطيح بيده لينتقى لنا أحلاه وأنضجه . فإذا رفضنا قال فى حماسة :
"إن هذا لا يصح .. إن هذا لا يصح ..."
ولقد وجدت البطيخ مكوما فى أطراف الحقول ولا أحد يحرسه . والمواشى ترعى الكلأ فى قلب الجزيرة ولا أحد وراءها . ولم أر فلاحا واحدًا يحمل عصا ، ولا خنجرًا ولا بندقية . إنهم جميعًا فى حمى الشيخ عمران ، وقد عجبت للهدوء الذى يخيم على الجزيرة . إنها فى قبضة مارد جبار . وحدثته عن هذا ، فنظر إلى مليًا ، ثم قال مبتسمًا :
"إن كل شىء هنا حسن .. والشر يجىء لنا دائمًا من المدينة . عندما يذهب الفلاح إلى المدينة ليبيع فى السوق ، يعرف الشاى الأسود "والتمباك" و"الحسن كيف" . ويرى الذين يلبسون الأحذية ويقرعون بها الأرصفة ، والذين يركبون السيارات الفخمة ويخطفون بها خطفًا فى الطريق . ويرى الذين يسكنون القصور وحولها البساتين . ويرى الأنوار تتلألأ فى الليل ، والملاهى البراقة فى كل مكان . يرى كل هذا ، فإذا عاد إلى قريته جر رجليه جرًا . كان كمن ضرب على أنفه . إنه يسأل نفسه وسط الظلام والقاذورات والحشرات ، وروث البهائم .. هل أنا كائن حى ؟. هل أنا مخلوق بشرى حقًا؟.. هل أنا من طينة هؤلاء ؟.. عاد والغل والحسد والحقد وصفات الشر كلها تأكل قلبه أكلا . وأنت تراهم هنا وتحسبهم ملائكة ، لفرط ما تحسه من سكون يخيم على الجزيرة . ولكنك لو تركت الحبل على غاربه يا بنى لأكل بعضهم بعضًا . إنهم يحبون السرقة والسطو على زراعة الجار . ويغشون ويخادعون ، ولو لم أكن معك الآن لألقوا بك فى النيل ، لأنك صاحب الأرض ، ولأنك كما يتصورون تأخذ من قوت عيالهم ..."
فكرت فيما قاله الشيخ وقلت لنفسى :
"إنهم يفعلون ذلك كله تحت تأثير نير القرون .. ظلم أجيال وأجيال . إن الفلاح المصرى يسرق ، ويخادع ، ويستريب نتيجة لحياة البؤس والاستبداد التى عاشها منذ آلاف السنين ، ولم يتنفس الصعداء إلا فى عهد العرب .
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟...
ثم ماتت هذه الكلمات وعاد الرق والاستبداد كما كانا ..."
وعدنا إلى العريشة نشرب القهوة ، ونودع الشمس الغاربة .
*     *     *
ابتدأ النساء فى الجزيرة يخرجن من الأخصاص ، وعلى رؤوسهن الجرار ويتجهن إلى النيل . رأيت سواعدهن البضة وهى تتحرك من بعيد ، وبعض وجوههن النضرة ... كن يمشين فى خفر أسرابا ، وكن جميلات فاتنات .
ونزل الشيخ عمران إلى النيل وتوضأ . ولما غربت الشمس صلى . وعاد فجلس بجوارى صامتًا . وكان الظلام يتساقط رويدًا رويدًا .
وتعشينا ، وفرشوا لى لأنام . كان الشيخ عمران يود أن أنام داخل "الخص" ولكننى رأيت أن أنام فى العراء لأرى هذا الرجل الرهيب فى الليل .
إنه لا يدخن ، وهو رجل قليل الكلام ، كثير الصمت ، وصوته ليس جهوريا ، ولكنه قوى آمر . ولعل ذلك راجع إلى أنه تعود صيغة الأمر دائمًا فى حديثه مع الناس . وهو فى الليل لا يغير ثوبه كما يفعل كثير من القتلة ، وإنما يظل كما هو لا يتغير فيه شىء .. تتركز حواسه كلها فى باصرتيه ويغدو خفيف الحركة ، سريع اللفتة ، يقظ السمع ، يرنو ببصره إلى بعيد ، لقد أدركت قوة بصره فى الليل وهو يرى من وراء الأبعاد ، ويخترق به حجب الظلام ، ويسمع أدنى حس . كانت تمر تحتنا قوارب الصيادين ، وكان يسمع حركة المجاديف وهى مقبلة من بعيد ، فإذا اقتربت من رأس الحجر فى طرف الجزيرة صاح بصوته المرعب :
"من هناك ؟.."
"نحن يا عم الشيخ عمران .." .
"ابتعد عن الحجر وخليك إلى الشرق .." .
" حاضر ..." .
إنه لا يريد أن يقترب أحد من عرينه .. إنه قاتل ، والقاتل فى الصعيد دائما مطارد ، ولو عاش ألف عام . وعندما يخور الشيخ عمران ويستضعف سيتمزق إربا . ولقد خلف وراءه فتيانا أشداء ، وله أسرة مرهوبة الجانب ، وقد يعيش فى هذه الشيخوخة فى ظلها وعلى حسها . وإن كان لا يزال شامخ الأنف ، لم يسقط فى حياته سقطة واحدة .
شمل الظلام كل شىء ولفنا فى ردائه . ونام من معنا من الفلاحين ، وبقيت ساهرًا مع الشيخ عمران . لقد شعرت بطراوة الهواء ولينه ، وعمق السكون . وكنت أود لو أتمرغ على الرمل وأنزل لأسبح فى النيل . كان كل شىء ساكنا . والطبيعة سافرة طليقة من كل قيد ، تشعر الإنسان بالحرية الصحيحة . كنت أشعر أننى قد تحررت من قيود المدنية الزائفة وأخذت أنظر إلى النجوم البراقة فى السماء ، وإلى الغياهب .. غياهب الليل . وإلى النيل الجارى تحتنا ، وإلى مزارع النيل من حولنا ... وأتأمل وأفكر .
إن الشيخ عمران يجلس على هذه الربوة وحيدا فى الليل ، وأولاده فى كل مكان . "معاذ" فى الماكينة ، و"سلمان" فى النجع ، و"عبد الكريم" فى الجبل ، ولكن أنفاسهم جميعا معه .
وفى الهزيع الثانى من الليل ، رأيته يدخل العريشة ويعود وفى يده شىء ، إنها بندقيته . وهى من طراز هندى ككل البنادق التى تراها فى الريف . ولكنها فى يده شىء آخر . وضعها بجانبه واستلقى وعينه إلى الغرب .. وضعت رأسى على الفراش وحاولت أن أنام ، فالشيخ عمران ساهر علينا جميعا ، ولكننى لم أنم ، وظللت أراقبه . تحرك ، ومد البندقية .. وأطلق . أطلق فى الهواء .. وسمعت صوت الطلقة وطاف بذهنى شىء .. لقد تذكرت ، سمعت صوت هذه الطلقة فى الليل من قبل ، كانت طلقة واحدة تنطلق فى ساعة معينة بعد نصف الليل . وكنا نسمعها ونحنُ فى أجران العزبة ، ونصيح فى صوت واحد : "الشيخ عمران !.."
إنه ظل على عادته يرسل هذه الطلقة كل ليلة .. طلقة واحدة ليس إلا ، ثم يضع البندقية تحته وينام .
اعتمدت بمرفقى على تل من الرمل ، وأقبلت أتحدث معه . أخذ يحدثنى عن مغامراته فى الليالى السود ، والمعارك الدامية التى تحدث فى القرى على لا شىء .. وحوادث السرقة فى وضح النهار ، والزمن الذى تطور ، وطوى معه كثيرا من القتلة فى الريف . كان حديثه طليا ساحرا يستغرق الحواس كلها .
طلبت منه أن يحدثنى عن أول حادثة قتل فى حياته ، فتجهم وأطرق طويلا .. لقد نبشت دخيلة نفسه .. إنه يتذكر .
رفع رأسه وقال فى صوت متغير :
"سأحدثك يا بنى ..."..
وأطرق مرة أخرى ، ثم رفع رأسه وقال :
"كان ذلك منذ سنين طوال . كنت فى صباى " .
وكان والدى يحب أن يزوجنا صغارًا ، فزوجنى من ابنة عم لى ، على عادة العرب فى قصر زواجهم على الأقارب .. وكانت صغيرة .. وكنا قد شببنا معا ، ورعينا الغنم معا ، فكان حبى لها قويا .. وكان كل شىء فى الحياة يمضى رتيبا ثقيلا . لم تكن الحال كما تراها الآن آلات للرى ، وزراعة ، وعمران، بل كان جدبا شديدًا وفقرًا شاملا ، كنا نعيش من بيع الملح .. نجىء به من الجبال ونبيعه فى القرى النائية . وكنت أطلب الرزق أينما وجد . فلم يكن من السهل على رجل فى مثل شبابى ورجولتى أن يتبطل .
وكان هذا الفقر يدفع العرب إلى السلب والنهب ، وقطع الطريق على الناس . فكانت الحوادث تترى ، والرصاص يدمدم فى كل ساعة .
وحدث أن أغار جماعة من العرب على مزرعة واستاقوا مواشيها ، وقتلوا خفيرا من خفرائها .. وجاء الجند ، وعلى رأسهم ضابط طوقوا النجع .. وبدأوا يفتشون فى بيوتنا لأنها فى اعتقادهم وكر الجريمة ! وكنت غائبا ، ودخلوا بيتى وفتشوه ، وسأل الضابط « جميلة » زوجتى :
« أين زوجك ؟ .. »
« مسافر يا سيدى منذ شهور يجرى وراء معاشه .. » .
« ومن الذى وضع هذا فى بطنك إذن ؟ .. »
ووضع أصبعه على بطنها ، وكانت حبلى « بمعاذ » .
فعل هذا وخرج .. وصعقت المسكينة .. وطار الخبر فى كل مكان . وعدت من سفرى وسمعت بما حدث وأنا فى الطريق . ودخلت البيت ولكننى لم أحادث جميلة ولم أر وجهها .. وتناولت بندقيتى وخرجت .. وذهبت عند صديق لى فى الجبل ، ومكثت عنده أياما . وحاولت خلال ذلك أن أتناسى ما حدث ، ولكننى كلما تمثلت الأصابع وهى موضوعة على بطن زوجتى أستطير خبلا ، وأكاد أمزق نفسى .
وتركت البندقية عند صاحبى ، وخرجت متنكرا أطوف حول « النقطة ». ورأيت خير ما أفعله أن آخذه ، وهو خارج للدورية ، بعيدًا عن النجع والقرى المجاورة لنا .
وخرجت فى ليله سوداء لا أنساها ما عشت ، ففى هذه الليلة تقرر مصيرى يابنى ، ورسم القدر خط الحياة لى .. وكانت ليلة من ليالى الشتاء ، ضريرة النجم شديدة البرد ، وكانت معى بندقيتى وخمسون طلقة ، وكنت على استعداد لأن أقاتل جيشا بأسره ، وأفتك بكل من يعترض سبيلى حتى ولو كان أبى .
كانت ثورتى جامحة ، وغضبى لا يصور .
وكمنت فى زراعة قصب ، وانتظرته وهو مار على ظهر جواده فى الطريق.. وجاء .. وصوبت وسقط ..
وأطلق العساكر النار ، ولكن طوانى الليل .
وبت هذه الليلة فى بيتى ، واستطعت أن أقابل « جميلة » .
وصمت الشيخ عمران قليلا ثم أضاف :
« بعد هذه الليلة يا بنى تغير فى كل شىء ، وجدت شيئا جديدا يعتمل فى داخل نفسى ، واستطعمت رائحة البارود ، وأصبحت حياتى كما تعرف وترى .. وأنت لا تستطيع أن تغير الدم .. الدم الجارى فى عروقك ، أو تمحو أثر البيئة ، وأنت تتعلم وتتهذب وترقى ، ولكن دمك سيظل عربيا لأنك ولدت فى النجع ونشأت فى النجع ، وفى هذا الجو الطليق عشت ، وتنفست أول نسيم للحياة .. » .
وصمت الشيخ عمران وتركنى لأنام ..
مضى وحده فى الظلام ، فقد سمع نباح كلاب شديد .
*   *      *
بعد قليل عاد إلى مكانه ، وكانت الكلاب قد كفت عن النباح ، وعاد السكون . وكانت النجوم تهوى فوقنا متعاقبة ، والظلمة شديدة ، والماء يجرى تحتنا ويهدر . ومن ساعة إلى أخرى كنا نسمع صوت رصاصة تنطلق فى الجو. لابد من هذا فى الريف ، كان صوت الرصاص مألوفا عند الفلاحين .
بل لعلهم يأتنسون به أكثر من صوت الكلب ، وصوت الإنسان ، ويشعرون بالوحشة عندما يشتد السكون .
غلبتى النعاس ، وصحوت والشمس تغمر وجهى ، ولم أجد الشيخ عمران.. وسألت عنه فقيل لى : إنه ذهب إلى النجع .
ورأيته بعد ساعة مقبلا من بعيد يمشى تحت وهج الشمس . ووراءه ابنه معاذ .. معاذ الذى يحرس « الماكينة » بذراع واحدة . فقد ذهبت ذراعه الأخرى فى حادث . كان وهو غلام فى « الماكينة » ومعه أخوه الأكبر . وذهب أخوه إلى القرية ليجىء بشىء ، وتركه وحده . فهجم عليه اللصوص فى الغروب . وظل يقاتل . واخترق الرصاص ذراعه ، ومع هذا لم يستسلم ، ولم يستطع أحد أن يقترب منه ، أو يمس حديدة فى « الماكينة » . هذا هو معاذ ، إنه من دم عمران ومن صلبه ، كان يجىء إلى قريتنا كثيرا يحمل الإيجار، ويحاسب على الأرض ، وكنا نعرفه جميعا . وكان إذا تأخر واحد من إخوتى فى الليل ، أو بات فى الأجران ، سأل والدى عن الذى معه . فإذا عرف أنه معاذ اطمأن وكف عن السؤال . كنا نسميه « أبو ذراع » وكان واسع الحلم طيب المشعر .. فإذا غضب انقلب أسدًا .
حيانى معاذ وجلس .. وبعد قليل تحركت ذراعه . ودفع يده فى جيبه وأخرج صرة ناولها لى وهو يقول وعلى شفتيه ابتسامة :
« هذا إيجار زراعات الماكينة جميعا .. »
« جمعته كله يا معاذ .. »
« أجل .. »
« ولم يبق أحد .. ؟ »
« ولم يبق أحد .. »
ونظرت إليه ، وكان يبتسم وعيناه تلمعان .. إنه صورة من والده . نفس النظرة القوية .. ونفس الملامح الصارمة . ونفس الشخصية الجبارة التى تفرض نفسها على من حولها .
جمع الشيخ عمران باقى المستأجرين ، وشغلت طول النهار بتحصيل الإيجار، وفى المساء وضعنا الأوراق المالية والفضة فى كيس كبير أعطيته للشيخ عمران فوضعه فى العريشة أمام الجميع !
وهبط الليل ، وكنت قد تعبت طول النهار ، فنمت فى أول الليل وصحوت على صوت طلقة .. لم تكن الطلقة التى تعودت سماعها من الشيخ عمران . طلقة تذهب فى الهواء تدمدم .. لا .. إنها طلقة مكتومة .. رصاصة أصابت جسما واستقرت فيه . فتحت عينى وتلفت حوالى .. لا أحد بجوارى غير عمران . كان على قيد خطوات منى ، نائما على بطنه ويده تعمل فى البندقية .. لقد أخرج الظرف وألقى به بعيدًا ، ولما أحس بى ، وعرف أنى صحوت ، قال وهو يبتسم :
« لا شىء .. إنه ثعبان ! .. » .
« أقتلته ؟ .. »
وصمت ولم يقل شيئا ، وظل وجهه مبتسما ، ويداه تعملان فى البندقية .. ثعبان .. ؟ تلفت مرة أخرى . أرسلت بصرى إلى رأس الحجر كان هناك شىء أسود وفتحت عينى جيدًا ، وتفرست فى الظلام ، وتملكنى الرعب .. إنه رجل نصفه فى الماء ، ونصفه على الأرض .. وقد منعته الحجارة من أن ينجرف مع التيار ..
ولقد جاء بعد أن عبر النيل فى زورق أوسواه ليقتلنى أو ليقتل الشيخ عمران ، ولكنه انتهى فى لحظة واحدة وما أحس به إنسان .
ونظرت إلى الشيخ عمران .. نظرت إلى هذا الرجل ، وحاولت أن أقرأ على وجهه شيئا ينم عن فعلته ، شيئًا يدل على أنه قتل نفسا بشرية .
ولكنه على حاله . لم يتغير فيه شىء . إنه هادىء ساكن ، وما نبض فى جبهته عرق ، ولا إختلجت شفة ، ولا اهتزت يد .. أى قلب ! .. وأى أعصاب ! ومن أى طينة هذا الرجل . إننى إذا ضربت خادما بعصا فى ثورة غضب ، أظل طول الليل أتململ فى فراشى ، والندم يأكل قلبى ، ولا أعود لنفسى إلا إذا طلبت من الخادم أن يصفح عنى .. أما هذا الرجل فهو يقتل إنسانًا .. ولا تتحرك فيه جارحة ، ولا يظهر على وجهه شىء . أى قلب ! وأى أعصاب ! .
بعد قليل تحرك ، ومشى إلى رأس الحجر .. مشى متمهلا ، ورأيته يدفع الرجل العالق بالحجر برجله .. وذهب الرجل مع التيار .
وعاد عمران إلى مكانه كما كان أول الليل . كأن لم يحدث شىء .
*   *      *
فى أصيل اليوم التالى ، غادرنا الجزيرة إلى النجع ، وبعد أن استرحنا ، وشربنا القهوة فى مضيفة الشيخ عمران ، أمر بإعداد الركائب ، وكان هو وابنه « معاذ » سيرافقاننى إلى قريتى .
ولما خرجت إلى الساحة ، وجدت فيها ما أدهشنى .. وجدت فرسنا التى سرقت مسرجة ومعدة لركوبى ! ونظرت إلى ذلك الرجل الجبار نظرة امتنان وشكر .. سأعود الآن إلى قريتى مرفوع الرأس وكل ذلك بفضله . ولقد علمت أن معاذًا جاء بالفرس منذ يومين وكتموا عنى الخبر لأفاجأ هكذا .
وركبنا نحن الثلاثة وخرجنا من النجع . وكان الشيخ عمران يركب حمارًا وكذلك ابنه ، ولهذا سرنا متمهلين نقطع الطريق بالحديث والتندر مع معاذ . وكان دائم المرح حلو الدعابة ، لا يكف عن الضحك ولا يعير باله لشىء فى الوجود وهو الرجل المقطوع الذراع . وكانت وجوهنا إلى الشمس ؛ فلما غربت تنفسنا الصعداء ، وأسرعنا فى السير ، وكان الطريق على عادته مقفرا وكل شىء فى سكون . وأخذ الظلام يشتد ويلف كل شىء فى ردائه الأسود.
وكنا كلما أوغلنا فى السير زاد السكون ، واشتدت الوحشة فى الطريق . وقطع هذا السكون دوى رصاص شديد انهمر فى غير انقطاع مرة واحدة ، واستمر عدة دقائق . فتمهلنا فى السير ، وأمسكنا بالبنادق وقلت للشيخ عمران وأنا أتسمع :
« عرس فى القرية .. »
فقال وهو ينظر إلى ومض البارود :
« إنه ليس بالرصاص الذى يطلق فى الأفراح ، إنه شىء آخر » .
انقطع صوت الرصاص ، وخيم السكون من جديد .. وظللنا نرقب .. ورأينا من بعيد خطا أسود يزحف إلى الغرب . ومددنا أبصارنا وتبين الخط الأسود . وضح ما فيه .. إنها ماشية تساق سراعًا فى طريق غير مألوف . وخلفها وأمامها رجال مسلحون .. لقد سرقوا هذه المواشى من القرية ، واشتبكوا مع الحراس فى المعركة التى سمعنا دويها . ثم تغلبوا عليهم وهاهم قد أفلتوا بالماشية يسوقونها سراعا .
وترجل الشيخ عمران ، وأشار علينا بالنزول . ترجلنا وبحثنا عن مكان نربط فيه الركائب ، ووجدنا ساقية خربة . فربطناها فى ترسها وأخذنا نرقب.. تحول الرجال بالماشية إلى طريق آخر ، ومضوا فى الظلام وابتدأ عمران يعمل بسرعة .. تناول بندقيته ومضى فى أثرهم . ولما هممنا بالذهاب معه ، رفض . وحلف على معاذ بالطلاق أن يبقى معى فى الساقية ولا يتركنى حتى لو قتل .. وبعد أن تنتهى المعركة بخير أو بشر نستأنف السير إلى القرية .
وخرج الرجل وحده ، رأيناه يمضى سريعا كما يمضى الليث فى الظلام .
وبعد قليل سمعنا الرصاص يدمدم .. ابتدأ عمران يقاتل وحده .. أخذت بندقيته تزأر . إن له طريقة فريدة فى القتال ، كما أنه رجل فذ فى كل شىء .
واستمرت المعركة حامية مدة . ثم انقطع صوت النار .. وخيم السكون ولاحت لنا أشباح تتحرك . تتحرك فى اتجاهنا . إنها المواشى . وها هو عمران وراءها يسوقها . لقد خلصها من اللصوص وحده .
ودخلنا بالمواشى المسروقه القرية ، واستقبلنا أهلها استقبال الفاتحين . وكان عمران يسير فى المؤخرة وحده .. مطرق الرأس ، متواضعا كأنه ما فعل شيئًا .




حارس القرية
عرفت الشيخ عبد المطلب وأنا صبى صغير ألعب فى الأجران .. فقد كان حارس أجران القرية ، وأحب الناس إلى قلوب أبنائها . وإلى قلوب الصغار منا على الأخص .
ولم يكن الشيخ عبد المطلب حارس أجران القرية وحدها ، بل كان حارس القرية كلها فى الواقع . كانت الأجران تقع فى شرق القرية ، وتكون دائرة واسعة فى « العرصة » وكان يجوارها جسر القرية الوحيد . ومنه يدخل الناس إلى القرية ويخرجون منها . وكان « خص » الشيخ عبد المطلب فى قلب الأجران . وكان يشرف على الأجران والجسر معًا .
وقد كان الرجل واسع الحلم طيب القلب . فقد كان يتركنا على هوانا نمرح ونلعب فى « العرصة » . ونصعد الأجران العالية وننحدر منها . ونجرى كقطار الصعيد ، ونصيح ونعوى كالذئاب .. ! وهو منصرف إلى عبادته ، لا يرفع رأسه عن كتاب اللّه ، ولا يسمعنا كلمة نابية . بل كان ينظر إلينا ويبتسم فى عطف ورقة بالغين .
ثم شببت عن الطوق ، وتركت القرية لأتعلم فى المدينة .. وفى عطلة الدراسة الصيفية كنت أعود إلى القرية ، لأعمل مع إخوتى فى الحقول . انقطعت عن اللعب فى الأجران ، ولكننى كنت أرى « خص » الشيخ عبد المطلب كل صباح ومساء ، قائمًا فى وسط البرية كأنه منارة تهدى السفن فى ظلام الليل .
ولما كنت أحب القراءة . وكان الشيخ عبد المطلب هو القروى الوحيد الذى أجد عنده مجموعة نادرة من كتب التاريخ والسيرة . فقد كنت أذهب إليه لآخذ منه بعض هذه الكتب . وكنت أنتقى منها كتبِ السيرة على الأخص فقد كانت تأخذ بلبى .
وكنت أنتهز فرصة الصيف عندما ننتهى من حصد القمح . فأجد متسعًا من الوقت للقراءة فى هذا الفراغ الكبير من السنة . فلم نكن نزرع القطن فى تلك المنطقة من الصعيد ، ولهذا كنا نمضى الكثير من أيام الصيف فى فراغ ممل ..
ثم زحفت آلات الرى الحديثة إلى هذه المنطقة وتغير الحال ، وأصبح الفلاحون يزرعون القطن والأذرة ويعملون طول السنة .
وقد كانت أحب الساعات إلى نفسى هى التى أفرغ فيها من العمل ، وأجلس فى « خص » الشيخ عبد المطلب لأطالع وأتحدث معه .. كان قليل الكلام ، كثير التعبد ، نقيا تقيا .. وكان يحرس هذه الأجران كلها وحده يلعب حوله الأطفال من اصفرار الشمس إلى ما بعد الغروب . ثم يتركونه إلى بيوتهم ، ويظل الرجل فى مكانه من الخص ساهرا إلى الصباح . ولم يكن مسلحًا ، ولا يخيف أحدًا بهراوة أو عصا . بل كان كل ما يملكه قلبه الكبير ، وروحانيته الجارفة التى يواجه بها الليل وحده فى تلك المنطقة المرعبة من الصعيد . وكنت أراه وحده وأنا سائر على الجسر ، وعينه إلى الشرق . لا يعبأ بشىء مما يجرى حوله ، ولا يخاف ولا يرهب أحدًا . فأدرك عظمة الإيمان فى النفوس ، وأدرك سر قوته .
وكنت إذا شعرت بالعطش وأنا عائد من لحقل أنزل عن الجسر ، وأتجه إلى « العرصة » لأشرب من « زير » الشيخ عبد المطلب . وكان قائمًا بجوار الخص فإذا شربت وأحس بى . أشار إلى بسبابته يدعونى إليه فأعرف أنه يتعبد، وأقترب منه فى سكون ، وأجلس بجواره على القش . وأرقب شفتيه وهما تتمتمان فى صوت خافت . وأرى وجهه المشرق فى الظلام وهالة النور على غرته . وخطوط الزمن على جبينه . والبريق الساطع فى عينيه . ولحيته الكثة تدور على عارضيه ، وتقى وجهه وهج الشمس ، ولفح الرمضاء .
فإذا فرغ من عبادته سألنى عما عملته فى الحقل . ثم عاد إلى صمته وتأمله .
وكانت الكلاب تنبح فى الحقول وفى القرية .. والرصاص يدوى فى أذن الليل . وكنت وأنا جالس معه أرى أشباحا سوداء تتحرك بعيدًا .. بعيدًا على شط النيل . فأرقبها بعين ساهرة . أما الشيخ عبد المطلب فما كان يحفل بشىء من هذا كله .. كان يرسل بصره إلى أقصى الأجران ثم يرتد به . ويعود إلى سكونه وصمته .
وكنت أنظر إلى عينيه الساكنتين . وجبينه الوضاء ، ونظرته الشاردة إلى السماء . وأتأمل وأفكر ... إن هذا الرجل قد نفض يده من نعيم الحياة وملذاتها . وعاش فى عالم كونه بنفسه لنفسه . ولقد فهم سر الحياة وعرف معنى السعادة ، ولقد استخلص من الحياة زبدتها . ووصل إلى أعمق أسرارها. ولقد مرت عليه وهو جالس فى مكانه من الخص ألوان مختلفة من الحياة والناس . وهو باق على حاله لم يتغير . لقد ذهب من هذه القرية أناس إلى المدينة ، وعاشوا فيها يقامرون ، ويشربون ، ويصخبون فى المواخير منهم من سقط فى الأوحال . وذهب منهم من ذهب إلى غير رجعة وعاد منهم من عاد يرتدى القبعة ويدخن فى الغليون بعد أن عبر البحار !
ولكن الشيخ عبد المطلب باق على حاله لم يغير جبته ، ولم يغير مكانه من الخص . ولم يتغير له طعام ولا شراب منذ نصف قرن من الزمان . إنه الصورة الخالدة للفلاح المصرى الجبار الذى صارع القرون ، وكافح الاستبداد والظلم والجبروت مدى قرون وقرون من الزمان . ذاق مرارة الحرمان فى كل عصور التاريخ حتى فى عصر النور . ومع هذا فإن جبهة الشيخ عبد المطلب لم تتعفر بالتراب قط وما حنى رأسه لمخلوق !!
وكان على مدى البصر منه تتلألأ مدينة أسيوط بأنوارها الساطعة .. ويسطع نور « الخزان » من بعيد . كانت المدنية تزحف هناك حيث العلم والثراء العريض . وحيث الكهرباء والسيارات الفخمة والقصور الشامخة وتقف هنا حيث الظلام والفقر والجهالة المطبقة والأكواخ الحقيرة .
كان الظلام الكئيب يخيم .. وكانت أشجار النخيل تحتضن بيوت القرية ، وتطوقها من الشرق والغرب بسياج طويل من جذوعها . وكانت الترعة تشق القرية نصفين . وكان هذا الخط الأبيض من الماء يرجف بين البساتين كما يزحف الثعبان فى الظلام . وكان الجسر يجاور الترعة ، ويكون حاجزًا منيعًا وقت الفيضان . وعلى هذا الجسر قام خط المدنية الأول الزاحف إلى هذه القرية الصغيرة .. عمود التليفون الخارج من المركز إلى بيت العمدة . وهو البيت الأبيض الوحيد فى القرية .
وكانت القرية جمعاء تغط فى سبات عميق . ويظل الشيخ عبد المطلب وحده ساهرًا فى الخص يحرس الأجران ، ويحرس القرية جمعاء . فما من أحد يستطيع أن يسير على الجسر ، وهو منفذ القرية الوحيدة ، دون أن يبصره الشيخ عبد المطلب . وعندما يشعشع النور ، يفرغ من صلاته ويفرش زكيبة وينام إلى الضحى .. غافلا عن كل ما حوله وتاركا كل شىء للّه .
*     *     *
وكنت أجلس فى ظل الخص ساعة الأصيل . وأرى عن قرب هؤلاء الفلاحين المساكين ، وهم شبه عراة حفاة يعزقون الأرض ويسقون الزرع وقد التصقوا بالأرض وما لهم عنها من فكاك . كانوا يعملون من مطلع الشمس إلى الغروب وأجسامهم تنضح عرقا ، وأرجلهم تغوص فى الوحل . وما يطمع الواحد منهم بعد هذا الجهد كله فى أكثر من رغيف من الخبز الأسود وقطعة من الجبن ، ولقد خالطت هؤلاء الناس وعاشرتهم ، وحملت معهم الفأس فى قلب الحقول . وما وجدت فيهم شاكيًا ولا متبرما . إنهم يعملون فى صبر عجيب ، وقد نفضوا أيديهم من كل رحمة تأتيهم من الأرض ، أو من السماء. وهم يعيشون فى حذر وتوجس وريبة ، ولا يثقون بإنسان . ويتصورون أن الكل يعمل على تحطيمهم . ويظل الفلاح ناصبًا قامته للشمس حتى يسقط من الإعياء والجوع .. وهنا يطلب الرحمة من الموتى بعد أن يئس من الأحياء . فيفزع إلى الأضرحة وقباب أولياء اللّه الصالحين .
وكانت مرساة القرية على مسافة قليلة من « العرصة » وفيها رست بعض المراكب . وكنت وأنا جالس فى الخص ساعة الظهيرة أستمع إلى طرقات العمال الرتيبة فى هذه المراكب . كانوا يصلحونها قبل الفيضان . وكانوا يعملون فى جهد متواصل . كان كل من حولى يعمل ويدور كالطاحون . وكنت الوحيد بالقياس إلى الآخرين الذى يجد عنده وقتا للتنفس والتأمل .
وكنت أتمنى لو أعطانى اللّه بعض هذه القوة الجبارة ، لأحمل هذه الكتل العريضة من الخشب من اليابسة إلى الماء ، كما يفعل هؤلاء الملاحون .
كنت أجد أنا والشيخ عبد المطلب أنيسا فى عملهم المتواصل ، ومطارقهم التى لا تنتهى من الصباح إلى المساء . كانوا يغنون طول النهار فإذا هبط المساء انحدروا إلى النيل وغسلوا ما علق بهم من زيت ونفط . ثم لبسوا ثيابا زاهية ، وصعدوا فى الطريق إلى القرية .. فإذا اقتربوا منا حيونا فى بشر ومرح. لا شك أنهم سعداء .
كان السكون الثقيل الشامل يخيم بعد ذلك . وكنا نرى قلوع هذه المراكب تلمع من حين إلى حين فى جوف الليل الحالك .
*     *     *
وفى ليلة من الليالى خرجت من القرية ، قاصدا المزرعة . فقد كنا نسقى حقل ذرة لنا ، وكان علىّ أن أسهر مع الفلاحين إلى الصباح حتى نفرغ من الحقل كله .. ومررت فى الطريق على الشيخ عبد المطلب لأشرب معه القهوة وأصلى العشاء .. إلى أن يطلع القمر . فلم يكن من السهل على شاب مثلى أن يسير وحده فى الظلام ساعة زمانية حتى يبلغ المزرعة .
جلست بجوار الشيخ أمام الخص .. وكان الظلام دامسا . والكلاب تنبح، وفروع النخيل تتمايل .. والضفادع تنقنق هناك على شط النيل .
ولمحت شبحا يسير على الجسر . كان يمشى على مهل . ولم يكن أكثر من سواد يتحرك فى جوف سواد .. ولما أصبح فى محاذاتنا انحدر عن الجسر ، ومضى فى طريق الأجران حتى اقترب من موضع الماء . فوقف هناك هنيهة وهو يتلفت كالمتوجس من شىء .. ثم دفع « الكوز » فى جوف « الزير » وسمع له صوت مصلصل فى هذا السكون الثقيل الشامل . ورفع الإناء إلى شفتيه وشرب .. وتنفس .. ودار على عقبيه وتقدم من حيث آتى فى الطريق صعدا .
وهنا صحت :
« من هناك ... ؟ »
فتوقف عن السير ، وحول وجهه إلينا وظل صامتا برهة .
« نعمان ... »
قال هذا واتجه نحونا .. وكان الشيخ يفرك بعض حبات القمح بين يديه ، فلما اقترب منه نعمان ، أشار إليه ليجلس فجلس أمامه . وكان نعمان يرتدى جلبابا أسمر ، وعلى رأسه لبدة من الصوف الأسمر كذلك . وفى يده بندقية من أحسن طراز . وكان شابا قوى الجسم فارع الطول حديد البصر قوى القلب . وكان من رجال الليل فى هذه المنطقة ومن فتاكها . وكان اسمه يتردد بعد كل حادث قتل أو سطو يقع فى هذا الإقليم . ومع كل ما كان عليه هذا الرجل من شروجبروت فإنه جلس أمام الشيخ عبد المطلب ، خاشعا منكس الرأس .
ونظر الشيخ إليه وسأله :
« إلى أين يا نعمان ... ؟ »
« إلى حيث تسوقنى الأقدار ... يا عمى الشيخ .. »
وخيم صمت ثقيل علينا ثلاثتنا .. وكان الشيخ يحدق فى وجه نعمان وينظر إلىّ .. ويقرأ أفكارنا ، ولكنه لا يقول شيئا . ونظرت إلى نعمان . وعدت أتذكر أيام صباى فى القرية . أيام كنت أصطاد السمك . وأتسلق النخيل . وأركب الجمال فى البرارى . وكان رفيقى فى ذلك كله نعمان هذا بلحمه ودمه . ولقد كان فى صباه رقيقا وادعًا كالحمل . ولكنه الآن أصبح رجلا آخر .
كان فى صباه يصطاد العصافير ، أما اليوم يصطاد الرجال . ومن الذى فعل به هذا .. ؟ أطرقت وفكرت .. إن نعمان سرق فى صباه ليأكل . وهو الآن يسرق للسرقة فى ذاتها ، إنها لذته الكبرى . وهو يغشى المدينة ويذهب إلى مراقصها ، ويرمى بكل مامعه من نقود تحت أقدام الراقصات . ويشرب . ويلعن شياطين الأرض .. وإذا مرت عليه ليلة ولم يطلق فيها رصاصة ، ولم يملأ خياشيمه برائحة البارود جن وطار صوابه !
هذا هو نعمان الجالس معنا الآن ... قال لى الشيخ :
« اعمل لنا قهوة يا بنى ... »
فتناولت عود ثقاب من نعمان ، وأشعلت النار فى الدريس .. وأخذت أحدق فى وجهه من خلال النار .. كان صارم النظرة قاسى الملامح .. وكان يخط بكعب بندقيته فى الأرض .
وشربنا القهوة . وأخذ الشيخ عبد المطلب يحدثنا حتى أذن العشاء فنهض وهو يقول :
« قم يا نعمان إلى الماء فتوضأ وتعال لتصلى معنا ... »
فأطرق نعمان وبقى فى مكانه .
فأعاد الشيخ :
« قم يا نعمان ... »
وكأنما كان صوته نذيرا من السماء .
وصليت وراء الشيخ .. وبقى نعمان فى مجلسه .. تتساقط حبات العرق البارد على وجهه . وما رأيته مصفرا أغبر السحنة كما كان فى هذه الساعة .
وتناول نعمان بندقيته ونهض .
فقلت له :
« سأمشى معك حتى المزرعة ... »
فنظر إلىّ الشيخ وقال بصوت هادىء :
« خليك أنت .. إلى أن يطلع القمر .. »
وأذعنت لأمره . ومضى نعمان .. وابتلعه الظلام .
وبعد قليل سمعنا الرصاص يدمدم . فقلت للشيخ :
« إنه نعمان ... »
« أجل إنه هو ... »
ومضت فترة صمت .
وسألته :
« أتظنه قتل ... ؟ »
« لن تراه مرة أخرى ... »
وأخذ الشيخ يتعبد .. فصمت .. وأخذت أفكر فى هذا الحادث . وأتعجب من قوله : خليك أنت إلى أن يطلع القمر ..
ترى هل كان الشيخ يقرأ الغيب ؟
*     *     *
وسهرت ذات ليلة مع الشيخ عبد المطلب إلى الهزيع الثانى من الليل . وكان الفيضان قد بكر والنيل شديدًا .. وكان أهالى البلدة يخشون على زراعة الأذرة التى فى الأراضى الواطئة من الغرق ، فأقاموا حولها جسرا قويا .
وكان النيل يجرى على قرب منا جياشا قويا .. والخزان يهدر فى جوف الليل . والسكون عميقًا شاملا .. حتى الكلاب فى القرية هجعت ، وكفت عن النباح .
وسمع الشيخ وهو جالس صوتا أشبه بصوت الماء فى السد . فنهض ومد بصره . ولم يستطع أن يبصر شيئا .
ولكنه سمع خرير الماء أكثر وضوحا .
فجرينا مسرعين نحو السد . ولما بلغناه رأينا الماء قد فتح فجوة فيه وانحدر منه إلى المزارع متدفقا قويا . وذعر الشيخ .. ! فلو انهار هذا السد ستغرق مزارع برمتها ، وهى لصغار الفلاحين المساكين . وقد يتطور الحال ، وتغرق بعض المنازل فى القرية .
أسرع الشيخ وحمل حزمة من « البوص » وألقى بها فى الفجوة وفعلت مثله . وجرفنا إليها التراب . واحتبس الماء بعض الوقت ، ولكنه عاد بعد قليل إلى ما كان عليه واشتد . ووضعنا حزما أخرى بين عروق الخشب القائمة فى السد ، وحملنا إليها أكواما من الطين ، ولكن جهودنا كلها كانت عبثًا فقد كان الماء قويا . يجرف كل شىء فى طريقه . وكانت الفجوة تتسع بعد كل لحظة وأخرى .
وعرف الرجل مقدار الخطر الذى سيحل بالقرية فقال لى :
« أسرع إلى القرية .. وهات النجدة ... »
وجريت مسرعا .. وكنت أسمع وأنا أعدو صراخ الشيخ عبد المطلب فى جوف الليل الساكن .
*     *     *
ولما عدت بالرجال .. كان الماء يتدفق كالسيل ..
وكان جزء من السد قد انهار ..
ووجدت الشيخ عبد المطلب راقدًا هناك دون حراك تحت عروق الخشب عند الجزء المنهار .. فأدركنا أنه رقد بجسمه فى الفجوة ليحبس الماء إلى أن يحضر الفلاحون .. ولكن الماء كان قويا فانهار به السد وسقط فوقه ..
كان وجهه ساكنا .. وعلى شفتيه ابتسامة من فرغ من عمل عظيم .

حدث ذات ليلة
حدث ذات ليلة من ليالى الصيف عام 1919 وكانت الثورة المصرية مشتعلة فى طول البلاد وعرضها أن نشبت المعركة بين المصريين والإنجليز فى مدينة أسيوط ... وبدأت بإطلاق النيران على معسكرات الإنجليز عند الخزان . واحتملت قرية « الوليدية » وهى قرية مجاورة للخزان كل أعباء المعركة . على أن القرى المجاورة لم تتركها وحدها بل أرسلت إليها أحسن رجالها الشجعان .
كان الرجال يأتون إليها من كل صوب على ظهر المراكب الشراعية الصغيرة والكبيرة . ويخوضون غمار المعركة مستبسلين .
وكنا نحارب كما يحارب الثوار فى غير نظام ولا قيادة ... ومع هذا فقد فكرنا فى أن نفعل ما يفعله المحاربون فى الميدان حقا . فكرنا فى أن نقطع الخط الحديدى عند قرية « منقباد » لنمنع المدد والمؤن عن الأعداء وبذلك نميتهم جوعا .
واجتمع فى قرية صغيرة على الضفة الشرقية للنيل أكثر من خمسمائة رجل من مختلف القرى مسلحين بالبنادق القديمة والحديثة والخناجر والعصى والحراب . ومعهم خيولهم وجمالهم وحميرهم .
ونحرت لنا الذبائح .. وجلسنا نتعشى فى العراء على « الطبالى » خمسة .. خمسة .. وكنا نتحدث فى حماسة بالغة ، ونلتهم الطعام على ضوء المشاعل . ونسمع صهيل الخيل وهدير الفحول ... وعواء الكلاب فى القرية وكنت أرى عيون الرجال تبرق فى الظلام . وأشاهد فى دائرة الضوء لحاهم وشواربهم الضخمة وأجسامهم الطويلة .. وكانوا يرتدون الجلابيب السمراء والزرقاء ويعصبون رءوسهم .. ويتمنطقون بالأحزمة الجلدية المليئة بالرصاص والخرطوش .
وكانوا يمسحون أفواههم بأطراف أكمامهم ، ويشعلون لفائف التبغ .. ويشربون القهوة .. ويتحدثون عن الليل والرجال .
وكنت مأخوذا بسحر حديثهم وبقوة شخصيتهم . وبجبروتهم الذى لا حد له . كان أكثرهم من الرجال الشجعان الذين يقطنون فى الجبل الشرقى . وقد نشأوا أحرارا أشداء .. يأبون الضيم ويدافعون عن العرين . وعندما وقف واحد من الطلاب وأخذ يتحدث عن الاستعمار والبلاء الأسود النازل بالبلاد رأيتهم ينصتون فى سكون ، وعيونهم تلمع ووجوههم منفعلة من فرط الغضب . ثم أخذوا يعمرون البنادق ويشحذون الأسلحة !
وتركنا الخيل والجمال والحمير مع الغلمان .. وعبرنا النيل إلى الضفة الغربية وهناك انقسمنا إلى فرق صغيرة اتجه بعضها إلى الخزان .. وذهبت مع فرقة مكونة من ثمانية عشر رجلا من الرجال الأشداء إلى « منقباد » لنقطع الشريط الحديدى وكنت على رأس هذه الفرقة . وسرنا حذاء النيل على الرمال الناعمة .. وكان الليل فى أخرياته والظلام شاملا والسكون رهيبا .. ثم انحرفنا عن الطريق السوى وسرنا وسط الحقول . وكانت السماء كابية والريح تزأر فى أخصاص « البوص » التى مررنا بها .. ولما صعدنا المنحدر واقتربنا من الخط الحديدى بدأ صوت أقدامنا يسمع بوضوح فى هذا السكون العميق . وتقدمنا فى قلب الليل ولما بلغنا الجسر كان الشريط يلمع ملتويا فى الظلام .. وكانت أعمدة البرق وأسلاك التليفون تهتز والريح تصفر فى جنبات الوادى المقفر . وعندما أخذت أرجلنا تضرب على الزلط الذى يتخلل القضبان .. شعرت بعظم المهمة الملقاة على عاتقى وانتابتنى الرهبة .. وأخذت المكان بنظرة خاطفة وأعطيت الإشارة للرجال .. وبدأت المعاول تعمل .. وبعد قليل فرغنا من مهمتنا وقفلنا راجعين .
*     *     *
تفرقنا فى قلب الليل كالذئاب بعد أن تنفض مخالبها من الفريسة .. وسرت وحدى وسط الحقول ، وكان الليل ساكنا وأشجار النخيل تخيم من بعيد على قرية « الوليدية » وتغرقها فى لجة من الظلام الشديد . وكانت الكلاب لا تزال تنبح فى الحقول .. والديكة تصيح فى أكواخ الفلاحين معلنة طلوع الفجر .. وعندما بلغت طرف القرية الشمالى شعرت بالجوع والنعاس فتمددت فى ظل شجرة كبيرة من أشجار السنط .. وأخذنى النوم واستيقظت على دوى الرصاص .. وكان اليوم الثالث للمعركة بيننا وبين الإنجليز .. فذهبت إلى الميدان وظللت أقاتل حتى المساء .
وفى اليوم الخامس ظهرت طيارة فى السماء .. وأخذت تلقى القنابل على غير هدف .. وذعر الناس ولم يكن لنا بها عهد . وحملنا بنادقنا فى أيدينا وأخذنا نهيم على وجوهنا فى الأرض . وأخذت المراكب الشراعية تعود بالمحاربين إلى ديارهم .. وكان الوجوم والتعاسة والخيبة المرة ، مرتسمة على الوجوه ، وكنا نحن الشبان الأشداء نغلى غيظا فلم نكن ندرى علة هزيمتنا . لقد بدأنا المعركة كجنود من الطراز الأول وعندما كففنا عن النار خيل إلينا أننا قد انتهينا .. ولكننا مع هذا لم نلق السلاح .
*    *    *
وخمدت الثورة فى القاهرة وأرسل الإنجليز فرقة جديدة إلى أسيوط وكانت ترابط عند الخزان فى حديقة  كبيرة هناك .. وكانوا يخرجون من معسكراتهم فى الليل سكارى ويشتبكون فى عراك مع الأهالى .
وكنت قد هجرت قريتى وأخذت أمضى الليل فى بستان صغير قريب من (الوليدية) لأن الإنجليز انطلقوا يفتشون القرى فى الشرق ، باحثين عن الأسلحة ورجال الثورة .
وذات ليلة جلست كعادتى فى البستان . وكان بجواره طريق صغير ينحدر إلى النيل ومنه تنزل الفلاحات لملء جرارهن .. وكن يحملن الجرار على رءوسهن وينزلن إلى الماء .. ويشمرن عن سواعدهن ويرفعن أطراف ثيابهن ، وتبدو سيقانهن البللورية وهى تغوص فى اللج .. وعندما يملأن الجرار ويطلعن على اليابسة يتركن ثيابهن تنسدل وشعرهن يهتز فى ضفائر على ظهورهن . والخلاخيل الفضية تبدو فى السيقان الممتلئة وهن صاعدات المنحدر .
ومر فى الطريق بعض الجنود الإنجليز .. وأخذوا فى معابثة النساء الخارجات من الماء .. وطار هؤلاء مذعورات وتركن الجرار تسقط وتتهشم . وأمسك واحد منهم بواحدة من يدها ورأيته يعابثها ويهم بتقبيلها وهى تصرخ وتستغيث ، وتملكنى غيظ مستعر وأنا أشاهد هذا المنظر . وتجمع الأهالى واشتبكوا فى عراك دموى مع الإنجليز ورأيت أحد الجنود يخرج مسدسا ويطلق النار كالمجنون .. وكان الأهالى عزلا من السلاح .. فأخرجت بندقيتى من مكمنها . وسددتها وسقط .. وأطلقوا النار فى كل اتجاه .. فأصابتنى رصاصة فى ساقى ولكننى تحاملت على نفسى وزحفت فى الظلام .
وفرغت الشوارع من المارة بعد دقيقة واحدة .. وخيم سكون القبور على كل شىء ، وأخذ الظلام يشتد ، وسمعت وأنا ممدد فى مكمنى حركة فى طرف البستان .. ثم ظهرت عن بعد داورية إنجليزية تفتش فى كل مكان وبدا لى أنهم أخذوا يطوقون البستان .. فأسرعت وربطت ساقى بقطعة من القماش نزعتها من ثوبى بعد أن حشوت الجرح بالتراب .. وزحفت فى حذر .. ودارت عيناى فيما حولى تبحث عن ملجأ فى هذا الظلام . وشاهدت منزلا صغيرا على النيل فاتجهت نحوه وأنا مدفوع بقوة لا قبل لى بها ..
ودفعت الباب ودخلت .. وسمعت صوتا نسائيا يقول :
« مين ... ؟ »
« أنا ... »
ورأيت امرأة فى صحن الدار .. وكانت تلبس جلبابا أسود .. وعلى رأسها منديل أسمر .. ونظرت إلىّ فى هلع وأنا داخل بيتها وبيدى البندقية وعلى وجهى الشر .
وقالت بصوت مرتجف :
« مالك ... ؟ »
« جريح .. وعطشان .. »
ودخلت ومشت إلى الداخل دون أن تنبس ، وعادت بعد قليل بكوز فتناولته منها ورفعته إلى فمى مرة واحدة .. وسمعت حركة شديدة ولغطا فى الشارع .. فانزويت خلف الباب وأمسكت البندقية فى يدى .. وتهيأت لكل الطوارى .. ووقفت المرأة تنظر إلى من بعيد وهى مضطربة واجمة .
وسمعت طرقا شديدا على الباب .. فلم يرد أحد .. وخيم السكون لحظات .. ثم سمعت من يقول بصوت عال :
« دا بيت حميدة ... يا شيخ الخفر ... وهيا مسافرة ... »
« مسافرة ... ؟ »
« أيوه ... مسافره بحرى .. من مدة ... »
وبعد الصوت .. وخيم السكون من جديد فتنفست الصعداء ورجعت إلى صحن الدار وأنا أتحامل على نفسى وتمددت هناك .. ونظرت إلى المرأة طويلا ولم تقل شيئا .. فقلت لها :
« لا تخافى .. سأستريح قليلا ثم أذهب .. متى فرغوا من التفتيش » .
« ولماذا تخاف أنت ... ؟ »
« البندقية .. وأنت تعرفين الأحكام العسكرية .. »
« هاتها ... وأنا أخبئها فى مكان لا يعرفه أحد ... »
فقلت لها وأنا أبتسم :
« إنها سلاحى ... وأنا لا ألقى السلاح ... »
فهزت كتفها ووقفت ساكنة وبعد قليل تحركت نحو الباب الخارجى . فقلت لها بصوت هادىء :
« إلى أين ؟ »
« سأشترى بعض الأشياء من السوق ... »
« مكانك ... لن تبرحى هذا البيت ما دمت أنا فيه ... »
« إنك مجنون ... »
قالت هذا واحمر وجهها غضبا .. وظلت واقفة فى مكانها بجانب الباب .. ثم استدارت ومشت إلى الداخل . وقد عاد إليها بعض الهدوء . وقالت مبتسمة بصوت رقيق :
« ألا تعرفنى ... ؟ » « أبدا ... »
« أنا حميدة الغربية ... بياعة القماش ... وأنت من بنى مر .. وأنا أعرفك جيدا .. واسمك عبد الرحمن المرى ... »
فذهلت ... كيف عرفت اسمى .. واستطردت :
« لقد ذهبت إلى منزلكم فى غرب البلد مرارا ... ألا تذكرنى .. ؟ »
وتذكرتها بخالها الأسود على خدها الأيمن .. وبعينيها العسليتين وابتسامتها الحلوة .
« عرفتنى ... ؟ » « أيوه ... »
« سيبنى أطلع بره ... » « لأ .... »
وجلست على الأرض أمامى ... وكان المصباح البترولى الصغير تهتز ذبالته ويريق الضوء على وجهها الصبوح ، وكان ثوبها الأسمر يلف جسمها الممتلئ، ومنديلها يغطى جزءًا من شعرها . وأخذنا نتحدث حتى مضى جزء كبير من الليل .. وكنت أتصور أنها تمهلنى لأنام .. ومتى نمت خرجت ، ولهذا ظللت ساهرا لا تغمض لى جفن .. وذهبت هى إلى فراشها ..
وفى الصباح ابتدرتها بقولى :
« حميدة ... هاتى مفتاح الباب الخارجى ... »
فأعطتنى المفتاح وهى صاغرة ووضعته تحت رأسى .
ومكثت معها ثلاثة أيام .. وظلت محبوسة قلقة مضطربة وزادها الحبس اضطرابا وعصبية وكاد ما فى البيت من خبز وإدام أن ينفد وجعلها هذا أكثر قلقا .. وكانت ترمينى بنظرات نارية وتبتعد عنى ما أمكن .. ولما نفد معين صبرها قالت لى بصوت خافت :
« أنا عارفة ... »
« عارفة إيه .. ؟ »
« القاتل .. »
وانتفضت .. ومضت تقول فى خبث ظاهر :
« لقد رأيته بعينى هاتين من سطح البيت .. وكان فى البستان ... »
وتحركت من مكانى أزحف على قدمى ، وعيناى ترميانها بنظرات ملتهبة.. واجتاحتنى موجة من الغضب جارفة عارمة .. عندما تبينت أنها تعرف سرى كله .. وأننى معلق فى حبل المشنقة ، وهى التى تمسك بيدها الحبل .. وإن شاءت جذبته وطوقت به عنقى ..
وأمسكت بقبضتها وجذبتها نحوى .
وقالت بصوت راعش :
« سيبنى يا مجرم ... سيب ... »
ودارت يدى حول رسغها ... وشددتها إلى .. وكنت قد نهضت نصف قومه.. فدفعتنى بيدها إلى الوراء بقوة .. وقد تدحرجنا على الأرض فطوقتها بذراعى ، وأخذت أضرب وجهها وجسمها ضربا مبرحا ، وأخذت تبكى بصوت مكتوم وتضربنى ما وسعها الضرب .
واشتبكنا فى عراك طويل .. ولم تعد بى قوة على الإمساك بها فأطلقتها .. فنهضت وعيناها مخضلتان بالدمع .. وكان شعرها منفوشا ووجهها محتقنا .. ودارت فى صحن الدار كالمجنونة ثم بصرت بقالب فى ( الكانون ) فأسرعت ورمتنى به .. وحط القالب على صدغى وغبت عن الوجود .
ولما فتحت عينى كان الظلام يخيم .. وكان الدم يلطخ وجهى وثوبى .. وكانت حميدة جالسة عند رأسى تمسح الدم بمنديلها ! ولما شعرت بأننى تنبهت حركت يدها فى لين ورفق على جبينى ، ثم أخذت تتحسس ذراعى .. وقربت وجهها من وجهى ونظرت طويلا فى عينى .. ثم ارتمت على صدرى، وطوقتها بذراعى ورحنا فى عناق طويل .
ولما التأم الجرح وقويت على السير خرجت فى ظلام الليل مودعا حميدة وكانت فى لباسها الأسود وعلى رأسها منديلها وخرجت معى إلى الزورق الذى أعدته لى ..
ولما تحرك الزورق بى وقفت على الشاطئ تمسح عبراتها .. فتحولت بوجهى عنها ، وأنا أغالب عواطفى واتجهت إلى الشرق ..


سوق السبت

* كان غطاس أحد تجار الأقمشة الذين يذهبون إلى سوق السبت فى قرية رافع .. وهى قرية صغيرة فى قلب الصعيد .. وكان أول من يدخل سوق القرية بحماره الرمادى الأشهب .. وأول من يجلس تحت المظلة الطويلة فى ساحة السوق .. وآخر من يبرح السوق من التجار ..
وما من قروى لم يعرف غطاس أو يتعامل معه .. أو يشترى منه « غزلية » أو ثوب دمور أو جلابية زفير .. وما من قروية لم تشتر منه طرحة أو منديل رأس .. أو جلد الفيل ..
ــ صباح الخير ..
ــ خير عليكى ..
ــ جايباها منين الجلابية دى ..
ــ من عند غطاس ..
وكان غطاس يتردد على سوق السبت منذ سنين .. وهو آمن مطمئن على بضاعته وماله .. لأن القرية آمنة وعمدتها الشيخ مهران .. رجل قوى مرهوب الجانب ..
فما من حادثة قتل أو سطو أو سرقة وقعت فيها وهو عمدة ، وما من حادثة واحدة سجلها دفتر الأحوال فى المركز ..
وكان الفلاحون يذهبون بمواشيهم إلى الحقول ويعودون منها فى ظلام الليل فلا يعترضهم مخلوق .. ويكومون المحاصيل فى الأجران ويتركونها فى حراسة الغلمان .. ولا يجرؤ انسان على الاقتراب منها أو مد يده إليها فالجميع يعيشون فى أمان مطلق ..
وكان الشيخ مهران مع قوته وجبروته تقيا عادلا .. يأخذ من الأقوياء للضعفاء ، ويسوى الأمور بين الناس على أحسن وجه .. وكان الجميع يعتبرونه أبا كبيرا .. حتى قلت المنازعات والخصومات بين الفلاحين أمام القضاء ..
ولذلك روع الناس وذهلوا عندما وجد غطاس مقتولا ذات يوم وهو عائد من السوق ..
وكان الشيخ مهران فى ذلك الوقت مريضا مرضا خطيرا حتى يئس أهله من شفائه وصوتوا عليه فعلا ذات ليلة .. ولذلك كتم وكيل العمدة عنه الحادث وهو يرتعش من مجرد تصوره ما سيحدث لو علم .
وعلم العمدة أخيرا بالحادث فثار ثورة عنيفة ..
وسأل الشيخ عبد الرازق وكيل العمدة ..
ــ هل عرفت القاتل .. ؟
ــ الولد عبد الموجود .. كان بايت فى المسطاح .. جنب الجسر .. ومر عليه غطاس ..
ــ عبد الموجود لا يجرؤ على قتل فرخة وأنا حى .. يا شيخ الخفر هات لى فطوم ..
وأسرع شيخ الخفر لاحضار فطوم ..
وكانت فطوم أرملة فى العقد السادس من العمر .. تسكن فى شرق البلد فى بيت على الجسر .. ولها ابن وحيد يدعى عليان .. وكان يعمل فى المزارع والنجوع البعيدة .. فى الغرب .. على العدوة الأخرى من النيل .. وكان فاسدا شريرا بدد فدانين تركهما له أبوه على « الغوازى » وفى المواخير فى المدينة ..
ولم تكن أمه فطوم تراه إلا قليلا .. لأنه كان يقضى الليل حيثما اتفق .. وكان مع الجراة الشديدة وحب المغامرة والتسلط ـ وهى الصفات التى ورثها عن أبيه ـ يخشى الشيخ مهران .. ولهذا هجر القرية ..
وكانت فطوم تملك على امتداد بيتها أربعة قراريط تزرعها بنفسها طماطم.. وبامية .. وملوخية .. وفجلا .. وبعض اللفت .. وتسقيها بسهولة من ماء الترعة .. وتعيش من ثمن هذا الخضار قانعة راضية .
وكان أهل القرية يرونها وهى ترفع وجهها إلى السماء ... داعية على ولدها العاق .. وكانت سافرة الوجه جسورة .. لم ينحن ظهرها بعد .. وقد اكتسبت من العمل المتصل فى حقلها الصغير صحة وقوة ..
*     *     *
* دخلت فطوم على العمدة .. بعد أن وضعت بجانب الباب عصاها الطويلة من الجريد .. وكانت هذه العصا تلازمها دائما .. لأنها تحرس بها الخضار الذى تزرعه من الفروج .. والأوز والبط ..
وقالت وهى تحدق فى العمدة الراقد فى الفراش ..
ــ عوافى يا بو محمد ..
ــ عوافى .. يا فطوم .. لسه برضه قاعدة شديدة يا فطوم ..
ــ الصحة ليك يابو محمد ..
ــ فين عليان .. ؟
ــ ما عرفش يا حضرة العمدة .. لى شهرين ماشفته .. ولا وقع عليه نظرى.. قطيعه .. ربنا يفتكره برحمته .. ويأخذه .. قطيعه تقطعه ..
ــ الخفير اللى على البحر شافه معدى فى العشية ..
ــ أبدا .. يا حضرة العمدة .. أبدا .. واللّه ماجه .. وحياة الشيخ العريان.. وسيدى جلال ..
ــ طب روحى يا فطوم ..
ــ اللّه يخليك لينا .. ويشفيك .. ويوتق حزامك ..
وخرجت فطوم .. واجتازت ساحة الدوار .. ومشت متئدة الخطو رابطة الجاش .. من العرصة إلى الجسر وعصاها الطويلة فى يدها ..
*     *     *
* ولم يصدق الشيخ مهران ما قالته فطوم .. وظل يبحث عن القاتل .. وبعد بضعة أيام وكان لا يزال مريضا فى فراشه .. سمع بكاء امرأة فى ساحة البيت .. فسأل عنها .. وعرف أنها نرجس زوجة غطاس .. جاءت لتشكو حالها .. وأمر بادخالها عليه .. فدخلت لابسة السواد وخلفها ثلاثة أطفال وعلى صدرها رضيع ..
وقالت وهى تبكى :
ــ جتلك بأولاد غطاس المساكين .. يا حضرة العمدة .. مين يوكلهم كلهم .. ودم أبوهم راح هدر .. ؟؟
ونظر الشيخ مهران إلى الأطفال اليتامى .. وتأثر وأخذ منه الحزن .. وقال لنرجس وهو يعطيها بعض النقود :
ــ خدى .. وروحى .. يا نرجس .. وانا عارف اللى علىّ ..
ــ دا كان بيجى السوق على حسك .. من عشرين سنة ما انسرقتش معزاية من بلدك ..
ــ روحى .. يا نرجس ..
ــ ربنا يبارك فيك .. ويشفيك ..
وخرجت نرجس تجر أطفالها ..
*     *     *
* وبعد أيام قليلة عرف الشيخ مهران القاتل .. ولم يكن غير عليان الذى خطر بباله لأول وهلة .. وعرف الشيخ مهران أن عليان بعد أن قتل غطاس وسرق الثلاثين جنيها التى كانت معه فى جيبه .. ألقى كيس القماش فى النيل.. وذهب إلى صاحب له فى النجع ..
وظل الشيخ مهران وهو فى فراشه يتقصى أخبار عليان حتى علم ذات ليلة أنه عبر النيل فى غبش الظلام ومعه بندقيتة وذهب من شروق البلد إلى أمه.. فأرسل الخفراء ليطوقوا البيت وقال لشيخ الخفر :
ــ عاوزه .. حى ..
وبعد قليل علم الشيخ مهران أن عليان أحس بالخفراء قبل محاصرة بيته .. وهرب كالثعلب ..
وخشى الشيخ مهران أن يفلت منه القاتل إلى الأبد .. فتحرك من الفراش وهو ينضح عرقا .. وتناول بندقيته وخرج من بيته .. ولما رآه خفير الدرك جرى وراءه ليرافقه ..
فقال له الشيخ مهران :
ــ خليك يا عباس .. وخذ بالك من النقطة .. وقل لشيخ الخفر أن رجع فاضى .. يطوق جنينة عبد الكريم .. يمكن الولد فيها ..
وسار الشيخ مهران على الجسر وحده .. وكانت مياه الفيضان تغمر الأرض كلها والظلام رهيبا .. وكان الرجل مع مرضه يمشى قويا وقد جمع حواسه كلها فى باصرته .. وكان قد لبس رداءًا خفيفا أسود .. وتلثم .. وتمنطق بحزام وضع فيه أكثر من مائة طلقة .. فإنه يعرف جيدا الرجل الذى يطارده ..
وكان يفكر فى الأرملة المسكينة نرجس وأطفالها .. والظلام الذى شملهم والبؤس الذى تردوا فيه .. والجوع الذى ينتظرهم دون جريرة أو ذنب جنوه فى الحياة ..
وكان يغلى غيظا لمجرد تصوره أن عليان هذا الشرير .. سيفلت منه دون أن ينال القصاص .. كان يريد أن يجتث الشر من جذوره .. وتحت تأثير هذا وهو مريض .. وسار وقد شعر بقوة خارقة تدفعه إلى التقدم .
وبعد ساعتين عثر على عليان فى ماكينة رى .. وأدرك الشيخ مهران بعد الرصاصات الأولى التى أطلقاها .. أن المجرم منبطح على سطح الماكينة ويحتمى بصهريج المياه والاقتراب منه فى هذه الحالة انتحار مؤكد .. فدار يتلصص ويخوض فى القنوات .. حتى تسلق مرتفعا يشرف على بناء الماكينة .. وأطلق الرصاص .. وتصارع الرجلان صراع الجبابرة ..
وأدرك عليان من أول رصاصة أطلقت أنها ليست بندقية شيخ الخفراء ولا بندقية خفير .. وأن الذى أمامه رجلا آخر .. رجلا كان يخشاه أكثر من الموت .. ويتصور أنه لن يترك الفراش أبدا .. وأنه راقد هناك .. ولكنه تحرك وجاء ليطارده .. وصوت بندقيته يدوى وقد خرج إليه وحده .. وليس معه خفير واحد .. لا ليقبض عليه وانما ليفعل شيئا آخر ..
وثار عليان وأطلق الرصاص فى جنون .. ولكن الشيخ مهران أسكته إلى الأبد .. فخر فى معجنة للطوب صريعا ..
*     *     *
* ورجع الشيخ مهران يمشى على الجسر وحده وقد سكن الليل وعاد السكون يلف كل شىء ..
وخرجت القرية كلها على صوت الرصاص تستطلع الخبر .. وعلموا أن العمدة المريض .. خرج وحده فى الليل .. وقتل عليان ..
وسار الشيخ مهران على الجسر .. وخلفه الفلاحون يباركونه .. وقبل أن يدخل مدخل القرية صوبت إليه رصاصة .. وسقط ..
*     *     *
ورأى الناس فطوم .. واقفة على سطح بيتها وبيدها بندقية .. وكانت منتصبة القامة .. شامخة الأنف .. وكان منظرها وهى واقفة يلقى الرعب فيمن حولها .. فلم يجرؤ انسان على الاقتراب منها ..

الثعبان
مررت على الشيخ عبد العليم بكر وهو جالس تحت شجرة من شجر النبق قريبا من السكة الزراعية وحوله بعض الفلاحين .. وكان يحاسبهم على مياه «الوابور» فدعانى إلى مجلسه لأشرب القهوة ولأشترك معه فى الحساب.
ولما كنت عطشان وتعبا من المشوار الذى قطعته بالركوبة فقد ملت إلى الظل لأن الحرارة فى ذلك اليوم كانت شديدة والهواء اللافح يشوى الوجوه.. وكانت معى جريدة الاهرام اشتريتها من محطة بنى حسين فأخذ الشيخ عبد العليم يقرأ الأخبار ويسألنى عن سبب فتح بورصة القطن .. وعن تعميم مياه الشرب فى القرى وعن الجمعيات التعاونية لمعاونة الفلاح .. وعن المجمع الذى دقوا له الحديد فى شرق البلد ..
وكان الفلاحون يستمعون إلينا ولا يعلقون بشىء على ما نقول .. لأننا فى نظرهم متنورون وهم لا يرتفعون إلى مستوانا فى الإدراك والفهم .
وتوقف الشيخ عبد العليم عن الحديث ورأيته يرقب شخصا يتخطى مجراة الوابور .. وخلفه خفير الزراعة عبد البصير وعرفت الرجل عندما اقترب فقد كان مأمون عبد الرحمن وكان من خيار الفلاحين فى عزبة الشيخ عبد العليم ومن زراع أرضه .
وابتدره الشيخ عبد العليم بقوله :
ــ أين الفلوس يا مأمون ؟ .
ــ اتفضل ..
ــ والجنيه ... ؟
ــ أنا زارع فدان وتلت بس على وابورك يا عبد العليم بيه ..
ــ انت زارع فدان ونص .. والدلال قاس زراعتك .. وكمان اسماعيل أفندى .. كل ميه لازم المناكفة دى .. روح هات الجنيه .
ــ معنديش غير دول يا عبد العليم بيه ...
ــ خذ فلوسك ولما تكملهم هاتهم مع بعض .
ــ أجيب منين ... ؟ أبيع أولادى ... ؟
ــ روح بعلك كيلتين قمح .. ولا نعجة .. ولا عنزتين .. من دا اللى داير ياكل دره الناس ..
ــ أنا معنديش غير دول دا حقك وزيادة ..
ــ بتقول إيه . ؟
ــ حقك .. يا بيه .
ــ من الصبح حنحجز على زراعتك وجاموستك ..
ــ انتو حتشترونا وتبعونا بأرضكم ووابوركم .. إيه الذل دا .
ــ بتقول إيه يا كلب ..
ونهض الشيخ عبد العليم وتناول الرجل بعصاه .. ضربه على وجهه وصدره .. ضربا مبرحا .. وأبعدناه عنه .. وعاد الشيخ عبد العليم إلى مجلسه وهو لا يزال يزمجر من فرط الغضب .. ويهدد المسكين يطرده من العزبة ..
*   *      *
وأخذنا نهدىء من فورة الشيخ عبد العليم ونخفف غضبه بكل الوسائل .. وكانت الشمس قد تجاوزت السمت واشتدت حرارة يوليو .. وبدت كأن ألسنة من النار تخرج من الأرض .
وكانت الأرض منبسطة أمامنا وجذور القمح لا تزال بادية فى الأرض البور أما الحقول التى زرعت أذرة فقد كانت مخضرة ولا تزال عيدانها الصغيرة تقاوم الحرارة الشديدة والجفاف ..
وكان النيل قريبا .. ولكنه منخفض جدا والأرض عالية فلم يكن الفلاحون يستفيدون من مياهه فى الزراعة ولكنهم كانوا يشربون منه ويرسلون مواشيهم لتشرب وتستحم فيه .. ولهذا عملوا طريقا صغيرا «مدقا» ينحدر إلى النيل تنزل منه النساء لملء البلاليص .. والمواشى لتستحم .
وكان حسن ابن الشيخ عبد العليم قد هبط مع غلامين من العزبة إلى النيل من هذا المنحدر وأخذوا يلعبون فى الطين ويبنون منازل على الرمال ..
ولم يكن الشيخ عبد العليم يمنع ابنه من هذه اللعبة لأنها اللعبة الوحيدة التى يلعبها وهو يرافق والده إلى العزبة .
وكان الشيخ عبد العليم قد فرغ من محاسبة الفلاحين وانصرفوا لحالهم .. ونهض ليصلى الظهر وفجأة سمعنا غلاما يصيح :
ــ الحقوا حسن .. ابن عبد العليم بيه ..
وتصورناه غرق .. فجريت مع والده إلى الشاطئ وخلفنا كل من سمع الخبر من الفلاحين ..
وعندما وصلنا إلى رأس المنحدر ونظرنا إلى أسفل .. تسمرت أقدامنا واتسعت أحداقنا من الرعب وخشنا ان قمنا بأى حركة أن تقع الفاجعة فقد كان هناك شىء أرقش ضخم .. قد التف حول نفسه واقترب من الماء ليبترد.. وكان حسن قد التصق بالجدار عند الشق الذى خرج منه الثعبان ومنه الذعر الذى أصابه من الصياح ومن الحركة ..
ولم نكن ندرى عندما وقع نظرنا عليه أميت هو أم حى .. فقد كان متخشبا لا يطرف ... وكان الثعبان يقطع عليه الطريق فهو لا يستطيع النزول إلى الماء أو الصعود إلى الأرض .. ولم يكن فى الماء شىء .. سوى جاموسة ضخمة .. وكانت جاموسة مأمون .. ولم تكن تعير بالها لشىء مما حولها .. كانت باركة فى الماء وعلى خط مستقيم مع الثعبان .. وخشينا أن تتحرك فتدفع الثعبان إلى الحركة .. فتقع المصيبة وأخذنا بالمنظر وصعقنا فقد كان الثعبان أرقش ضخما ولم نر لطوله وضخامته مثيلا .. كان كأنما خرج من الجحيم ..
ولم نكن ندرى كيف نتحايل ونقتله لأن أى حركة تنبهه سيكون معناها .. موت الغلام . وشعرت كأن سيالا كهربائيا يسرى فى جسمى كله فارتعشت.. وخيل إلى .. أن هناك أكثر من ثعبان .. يزحف على الأرض التى تحتى .. ويخرج من الشقوق .. فكنت أرفع رجلى وأخفضها وأنفض قدمى .. وأنا واقف وتلفت حولى فى ذعر .. وتصورت أحد هذه الثعابين قد التف حول عنقى .. وفى غمرة هذه التصورات المفزعة ألقى أحد الفلاحين حجرا ضخما على الثعبان .. وكان من المحتمل جدا أن يمضى كل شىء فى سكون لولا هذه الحركة الطائشة .. إذ أن الثعبان كان سيعود إلى جحره دون أن يؤذى أحدا ولكن بعد الحجر الذى ألقى عليه وأخطأه .. تحرك ورفع صدره ورأسه لينتقم .. واتجه إلى الغلام .. وصاح الجميع واضطربوا وصاح الشيخ عبد العليم وهو يمد مسدسه بيد مرتعشة ولا تنطلق منه النار :
ــ اضرب .. يا حسان اضرب ..
ــ الرصاصة حتصيب ابنك والجاموسة .. ولا أحد يمكن أن يصيب رأس الثعبان وهو يتحرك هكذا .
ــ اضرب يا واد اضرب ...
وغشيتنا الغاشية .. ولم نعد نرى وأصبح الغلام بين فكى الثعبان كما صور لنا الذعر والاضطراب .. وفى تلك اللحظة الحاسمة دوت رصاصة من خلفنا.. رصاصة واحدة .. وسقط الثعبان والجاموسة معا وتلفتنا إلى مصدر النار .. فرأينا مأمون .. واقفا على الجرف وحده .. وبيده بندقيته القصيرة ..
وكنا جميعا نعرف أنه لا أحد غيره يمكن أن يطلق مثل هذه الرصاصة .. ويصوب مثل هذا التصويب .. لا أحد غيره على الإطلاق ..
*     *     *
وعندما ضم الشيخ عبد العليم ابنه إلى صدره وأخرج ثمن الجاموسة لمأمون.. رمى مأمون الأوراق المالية على الأرض باحتقار .. وانطلق فى الطريق وحده حانيا رأسه كأنه ما فعل شيئا ...
ولم أر الشيخ عبد العليم محتقرا ذليلا كما رأيته فى تلك الساعة .

الرجل الأشول
حدث فى أعقاب الثورة المصرية سنة 1919 أن خرج جنديان انجليزيان من المعسكر فى مدينة أسيوط .. وسارا على الخيل بين المزارع .. وكان الجو لطيفا فأبعدا فى السير .. ولم يستطيعا مقاومة الرغبة فى الاستكشاف .. فانطلقا بالخيل على الجسر حتى دخلا القرى التى توجد شرق الخزان .. وقابلهما الفلاحون بالهدوء والصمت .
وفى اليوم التالى رآهما الفلاحون مقبلين من بعيد .
وفى اليوم الثالث كانا يعدوان بجواديهما كأنهما فى حلبة السباق .. فنفرت البهائم العائدة من الحقول .. وذعر الغلمان ودهس أحد الجوادين المنطلقين غلاما صغيرا كان يلعب بجوار الترعة .. فقتله ..
وقبل أن يبلغ الجنديان المدينة .. أصابت راكب الجواد الاشهب الذى قتل الغلام رصاصة فسقط على الجسر ..
وحوصرت القرية القريبة من مكان الحادث وفتشت وضرب أهلها بالكرابيج ..
ورغم هذا لم يستدل على الفاعل ..
واستمر الحصار وكان والد الغلام القتيل متوفيا فقبض على كل من يمت له بصلة .. ومنع الأهالى من الخروج إلى الحقول بعد الغروب .. واستمر التحقيق أسبوعا بطوله .. وقرر الطبيب الشرعى أن القتيل أصيب من رصاصة أطلقت من مسافة بعيدة تزيد على مائة متر .. وأن الرامى أصاب سويداء القلب . وأنه لم يحدث له فى حياته كطبيب أن رأى مثل هذا التصويب .. ورأى المحققون أن القاتل لابد أن يكون مدربا تدريبا متقنا على ضرب النار .. ويرجح أن يكون من عساكر الرديف ..
وقبض على كل عساكر الرديف فى المنطقة .. وقدم من القاهرة جنود ، بلوك الخفر ، وعلى رأسهم ضابط مصرى اشتهر فى أيام الثورة بكراهيته الشديدة للمصريين . وأخذ فى جمع السلاح من كل بيت فى القرية ..
وكان يحلف الرجل على المصحف .. فإذا أخرج ما عنده تركه وإذا لم يكن لديه سلاح .. شد الجنود وثاقه وعلقوه فى حديد الشبابيك .. وأخذوا يضربونه ضربا مبرحا .. حتى يغمى عليه .
وبدأ بالأعيان .. وبالرءوس . ليكون الاذلال تاما .. وتكومت قطع السلاح . وظل الأهالى يصرخون من التعذيب حتى قارب الليل منتصفه .. ثم تعشى العساكر وناموا ..
*     *     *
وفى الصباح ألقى الضابط نظرة على قطع السلاح التى جمعها .. وأخذ يجرب بعضها فى ضرب النار .. ثم أخرج مسدسه .. وأخذ يصوب .
وكان يصيب الهدف من كل الابعاد .. ورسموا له دائرة بحجم القرش فأصابها من مسافة عشرين مترا ..
وأخذ العمدة والاعيان يصوبون مثله .. ولكنهم كانوا يخطئون الهدف فى معظم الحالات .. وأخذت الضابط الحمية فسمح للأهالى بأن يشتركوا فى المباراة .. ولكن لم يبلغ أحد شأوه .. وظل هو المتفوق الذى ليس له ضريب .
وأظهر براعته الخارقة بأن كتب اسمه على الحائط بالرصاص وصفق له الناس .. ورجع بكرسيه إلى الوراء وهو يضحك مزهوا ..
*     *     *
ولم يكتف بهذا الانتصار .. بل فكر فى شىء مثير .. فقرر أن يقف أحد الخفراء فى الساحة بجوار حائط « الدوار » وعلى لبدته الحمراء .. بيضة دجاجة !!
ومع كل ما فى المسألة من حماقة لم يستطع أحد أن يفتح فمه ..
ووقف الخفير المسكين .. وطارت البيضة من فوق رأسه وصفق الناس .. وضحك الضابط ..
وقرر أن يخلع الخفير اللبدة وأن توضع البيضة على رأسه وذهل الناس ونظر بعضهم إلى بعض .. ولكن لم يستطع واحد من الجالسين أو الواقفين أن يعارض هذه الرغبة ..
ووضعت البيضة على رأس الخفير المسكين وامتلأت الساحة بالاهالى .. وكتم الناس الأنفاس .
وخيم السكون واستقرت العيون كلها على رأس الخفير .. وكفت القلوب عن الخفقان .. واستعد الضابط ليضرب ضربته .
وفى هذه اللحظة .. انطلق شىء وهو يصفر من فوق رأس الضابط .. وطارت البيضة ..
وتلفت الضابط والناس مذعورين . ووجدوا رجلا يقف وحده وراء الساحة .. ويمسك بيده اليسرى بندقية قصيرة وصاح أحد الواقفين .
ــ حسن الاشول .
وظل الأشول هناك فى مكانه أكثر من دقيقة يرقب القوم فى الساحة بعينى صقر .. ثم وضع البندقية فى كتفه وبارح المكان .
*     *     *
وفى ساعة الظهر رأى الضابط من نافذة السيارة .. نفس الرجل الأشول.. يهبط بحمل صغير التل .. وعلى كتفه نفس البندقية .. فوضع الضابط يده على مسدسه .. وأخرجه من جيبه .. وهو يتابع الأشول ببصره .. ومرت لحظة رهيبة . شعر الضابط بعدها بيده تعيد المسدس إلى مكانه ..
ولما انطلقت السيارة فى أقصى سرعتها وغاب الرجل عن بصره .. كان الضابط يسائل نفسه فى تعجب .
ــ لماذا لم يقبض على الرجل .. بعد أن تيقن أنه هو الذى قتل العسكرى الانجليزى .. لماذا .. ؟ ولماذا حتى لم يجرده من سلاحه ؟
وأشعل سيجارة شعر بعدها بالراحة .
وكانت السيارة قد اقتربت من المحطة ..

الغــول
كان عبد المحسن مهران وهو فلاح عجوز من قرية الرحمانية بالصعيد يمتلك قطعة أرض صغيرة على شط النيل لا تزيد مساحتها على النصف فدان.. وكان من سوء حظه إنها ملاصقة لأرض الشيخ ماهر ومتداخلة فيها.. فما زال هذا يجنبه حتى وضعه فى أضعف تربة . فلما زحف النيل على الأرض يأكل منها .. أدعى أن أرض الفلاح الفقير هى المأكولة .. وأرضه لم يمسها سوء .. فصرخ المسكين ولجأ إلى السلطات لترد له قطعته قبل ضم المحصول ..
وعندما تحركت الشكوى من المركز كان النيل يملأ الضفتين والتيار شديدا ..
وركب معاون الادارة ومعه شيخ البلد والدلال والخفير المعدية لمعاينة الأرض .. وكانت على العدوة الأخرى من النيل فجرفهم التيار بعيدا حتى أشرفوا على الغرق وأخيرا استقرت المعدية تحت قرية من القرى .. فى ساعة العصر .. بعد عراك مع الماء استمر سبع ساعات .. وطلب شيخ البلد ركوبتين من القرية التى نزلوا تحتها ليصلوا إلى العزبة .
وركب المعاون وشيخ البلد .. وسار الدلال والخفير خلفهما بين المزارع وكانت زراعة الأذرة والقطن على الجانبين .. والشمس تشوى الوجوه .. والأرض الحامية تتنفس فى وجوههم ..
وأطلق شيخ البلد الشمسية واكتفى المعاون بأن وضع منديلا تحت الطربوش
وكانا قد أبعدا بالدابتين عن النهر .. وسارا فى طريق ضيق بين الحقول .. وكان الطريق موحلا .. وأرجل الدابتين تغوص فى الوحل ..
وكان المعاون يذهب لأول مرة إلى هذه المنطقة .. وساءه رداءة المواصلات وسوء الطرق .. وشدة الحرارة رغم الماء المحيط ونزول الشمس عن السمت.. وظهر أثر ذلك على وجهه .. وكان يكره ركوب الحمير .. وزاده هذا غما..
وكانت زراعة الأذرة عالية .. والكيزان مستوية .. وقد مالت إلى الأرض..
وكان الحشيش المتطفل .. يغطى التربة .. والقطن قد تفتح نواره .. وظهرت لوزه تنشق عن مثل الحرير الأبيض
ولكن الحرارة وناموس الذرة .. والحشرات الطائرة .. كانت تشوه كل هذا الجمال فى عين المعاون .. وكان شيخ البلد قد اعتاد على مثل هذا وأكثر منه ..
وكان الفلاحون فى الحقول .. يرفعون رءوسهم عن الأرض لحظات ويحدقون فى الراكبين وبعد أن يشبعوا فضولهم يعودون إلى عملهم .
*     *     *
وانحدرت الدابتان .. فجأة فى طريق نازل .. ولفحهما هواء مرطوب .. وكان النز والطحلب والحشائش الطفيلية تغطى الأرض .. وأسراب من الطيور تحط .. ثم تحلق فى غير نظام .. ثم صعدا على جسر صغير وتكشفت المزارع أمامهما .. فقد أخذ الفلاحون يحصدون الأذرة .. ويكومون «القناديل» فى جانب من الحقل .
وبدت جذوع العيدان .. بيضاء تعلوها السمرة .. وكان الجاموس مربوطا والجمال باركة تجتر .. وبعضها يتحرك حذاء الساحل محملا « باطنان » البوص وكانت الأبقار تدور على النوارج .
وسمع المعاون .. صياح الفلاحين .. وزعاقهم .. فى كل مرحلة كان يقطعها بالدابة ..
وكانت أشجار السنط .. والنبق كثيرة فى الأرض العالية كأنها محطات للعابرين .. أما النخيل فكان قليلا .. فى الأرض المزورعة وكان يبدو من بعيد وهو يخيم على القرى والعزب وكان الراكبان يمشيان على مهل .. ويراعيان الدلال والخفير وراءهما .. وان الطريق ردىء .. وربما انقلبا فى اللجة أو انزلقا فى الوحل .. ولم يكن المعاون قد اعتاد على ركوب الحمير .. وكان مذ ركب يجتر همومه .. وحده .. فلما لاحظ عليه شيخ البلد التعب سأله :
ــ تحب أن تستريح قليلا .. يا حضرة المعاون ..؟
ــ أبدا .. هو باقى كثير ياشيخ تبارك ..؟
ــ حوالى نصف ساعة .
ــ أنا عارف النصف .. هذه ستصبح ساعة ..
ــ لا .. قربنا ..
وأراد المعاون أن يتبسط مع الشيخ ‍!
ــ عندك أولاد فى المدارس ..؟
ــ عندى .. اثنان .. واحد فى ابتدائى والثانى فى ثانوى .. والذى فى ابتدائى ماشى .. أما الذى فى ثانوى فتاعبنى
ــ ماله ..؟
ــ سقط .. ثلاث مرات فى سنة واحدة ..
ــ هاته .. يساعدك فى الزراعة ..
ــ لاينفع .. سيصبح كالشيخ عبد المعطى تكون وظيفته ان يكتب عرائض وشكاوى فى المأمور .. اتفقت مع عمه على أن يأخذه ويشغله فى المالح !!
ــ هذا أحسن .. والعمل سيستهلك طاقته العصبية ويبعده عن الشر ..
ــ لقد وقع فى الشر فعلا .. انه الآن يشرب الجوزة .. وينام فى أحضان «الغوازى» ويذهب مع أولاد ماهر إلى المواخير .. لقد أفسدوه .. يسرقون المحصول من أبيهم العجوز البخيل .. ويذهبون إلى المواخير .. وفى كل لحظة يتمنون موت أبيهم .. ولو طال أجله سيخنقونه بأيديهم !!
ــ ولماذا لا تبعده عنهم ..؟
ــ ماذا أفعل .. لقد فعلت كل ما فى وسعى .. هل أترك عملى وأعيش معه فى البندر إنها مشكلة ..
*     *     *
وركبا سكة تشرف على النهر وكانت المياه تتدفق هادرة . وخيل إلى المعاون .. أنه الطوفان . فقد بدت صفحة الماء السوداء .. تملأ ما بين الجبلين الشرقى والغربى وغرق كل ما بينهما من قرى .. وكانت المراكب الذاهبة مع التيار طاوية قلوعها وتمضى سريعة .. أما التى كانت ضد التيار .. فقد نشرت قلوعها وكانت تتحرك بمشقة كأنما تدفع أمامها جبلا من الماء .
وكانت الزراعات التى فى الجانب الغربى قد حصدت واستلقت عيدان الذرة على الأرض .. فمر الهواء الرخى .. من جانب النهر .
ورأى عبد اللطيف أفندى فتاة تمشى بجانب الجسر تحمل جرة وكان يشعر بالعطش الشديد فقال :
ــ تعالى يا شاطرة .. اسقينا ..
وفتحت الفتاة فمها فى خوف عندما وقع بصرها على الطربوش ووقفت مكانها .. ولما حادثها الشيخ تبارك .. عرف سر صمتها وقال :
ــ إنها خرساء ..
وكانت المياه .. التى فى الجرة عكرة .. فأشار لها الشيخ تبارك إلى وابور كان « يتــك » تحت الطريق .. فذهبت سريعا .. وعادت بالمياه الصافية ..
وشعر عبد اللطيف بالراحة بعد أن شرب وروى ظمأه .. وقال بعد أن ذهبت الفتاة :
ــ إنها جميلة جدا .. وكل خرساء فى مثل هذا الجمال النادر .. الطبيعة تعوضهن ..
ــ كان عند الشيخ ماهر .. خرساء أجمل منها .. ثم غرقت .. فى نيل مثل هذا ..
ــ كل الفلاحات يعرفن السباحة ..
ــ يقولون انه أغرقها ..
وكان الشيخ تبارك يدخن .. والدابتان أرختا رأسيهما وظهر ظل العيدان الطويلة على الأرض .
وكانت الشمس .. تخرج ما فى جوفها من حرارة لتستقبل الظل ..
وسأل عبد اللطيف افندى يستوضح المسألة !
ــ ولماذا يفعل هذا ؟
ــ تزوج الشيخ ماهر .. أربع مرات وماتت زوجاته جميعا .. وكان يرث فى كل مرة ..
ولما أراد أن يتزوج للمرة الخامسة وهو فى سن السبعين خشى أولاده أن يقاسمهم وارث جديد فى الميراث واجتمعوا عليه وحاصروه وهددوه بالقتل إن تزوج .. وكان الرجل قوى البأس .. فلم يعبأ بتهديدهم ولكن الفتاة خشيت على نفسها من شر أولاده .. فلم تقبل الزواج منه بعد ما حدث من عراك .. وبحث عن وحدة أخرى فاشترطت عليه أن يسكن معها فى القاهرة .. ولكن أولاده حاصروه واطلقوا عليه الرصاص فلم يبرح مكانه .
وكانت عنده فتاة خرساء تملأ له إبريق الوضوء .. تربت فى بيته وهى صغيرة حتى أدركت وغدت أنثى شهية .. وذهبت مرة تحمل الجرة .. إلى البئر .. فلاحظ عليها الفلاحات كبر بطنها فذعرن .
ووضعت واحدة منهن يدها على بطن الفتاة وسألتها بالإشارة
ــ من الذى فعل هذا يا نبوية ..؟
ــ سى .. سى .. سيدى .. ماهر ..
نطقت الفتاة .. باسم سيدها .. وما نطقت فى حياتها ..
وضحكت النسوة .. ثم وجمن .. وأصابهن الذعر .. وشاع الخبر فى القرية ..
وعندما ارتفع النيل .. وزمجر .. كما تراه .. الآن .اختفت الفتاة عن الأنظار ولم يرها أحد بعد ذلك أبدا .. ويقولون أن خدم ماهر كمموها ووضعوها .. فى جوال .. أثقلوه .. بالحجارة ..
ــ وأهلها ..؟
ــ ليس للفتاة أهل .. إنها يتيمه .. وتربت فى بيت هذا الغنى كجارية من جواريه ..
ــ وأهل القرية ..؟
ــ ليس فى يدهم دليل .. وانت تعرف الفلاحين .. أخرسهم ظلم القرون.. وكان فى مدرسة القرية الأولية مدرس يدعى الشيخ رجب .. وعلم بخبر الفتاة فصعد المنبر بعد صلاة الجمعة وقال وهو منفعل :
ــ أيها الناس .. إن صلاتكم باطلة وذاهبة إلى الشيطان .. أين ذهبت نبوية..؟ ان دمها فى أعناقكم إلى يوم القيامة .. وعندئذ ستحشرون فى نار جهنم..
وكان الفلاحون يرتعشون من الخوف .. ولكن إذا نظروا إلى وجه ماهر وجبروته انكمشوا .. ووصل الخبر .. إلى ماهر .. وفى يوم السبت التالى .. لم يدخل الشيخ رجب المدرسة وعلم الفلاحون ان مدير التعليم نقله إلى المصحه!
وقال عبد اللطيف .. مبتسما :
ــ وكيف نخرج أرض الفلاح المسكين من جوف هذا الرجل إذن .. وماذا يكون مصيرنا .؟
ــ إننا ننهى مسألة ادارية .. لأجل زراعه هذا العام .. وأمامهما المساحة والقضاء لتفصل فى الأرض ..
وكانا قد اقتربا من العزبة وبدا أمامهما جسر طويل .. معرش بقطع الأخشاب .. والبوص .. ومياه النهر تنطحه وكان بين الماء وبينه مقدار أربعة قراريط .. وسأل المعاون :
ــ من الذى عمل هذا الجسر ..؟
ــ الشيخ ماهر .. أنه يحمى زراعة مئات من الافدنة زرعها .. قطنا .. وخضارا .. ويحمى عزبته كلها ..
وكانا قد اقتربا من البيوت .. وبدت الطيور تأكل الحب .. والحيوانات ترعى الحشائش .. والبط يقفز إلى الماء
وكان الوابور معطلا .. ولكن المياه لا تزال فى المجارى
وشاهد المعاون جديا صغيرا يتوثب .. ونعجه نائمة وناقة تجتر .. وقد خلع عنها الهودج .. وبدأ أثره فى ظهرها
وعندما اقترب الراكبان أقبل نحوهما الفلاحون .. وتناول خفير العزبة الركوبتين وقيدهما فى جانب .
وكان الخفير يود أن يمشى أمام حضرة المعاون إلى مضيفة شيخ العزبة .. ولكن المعاون رأى أن يبقى بجانب الوابور فى الهواء الطلق الذى يطرد الناموس .. وكان الظل قد فرش وجاءوا لهما بدكة فرشوها بحرام .. ووضعوا عليها مخدتين فى الظهر .. وجلس المعاون ينتظر الدلال .. وجاء الدلال وقدم لهم شيخ العزبة طعاما خفيفا لأنهم كانوا فى شدة الجوع .. ثم ذهب الدلال ومعه شيخ البلد .. وشيخ العزبة .. والفلاح المشتكى .. ووكيل ماهر .. إلى موقع الأرض .. لقياسها ..
وجلس المعاون فى مكانه ووقف على مبعدة منه بعض الفلاحين .. ثم جلسوا على قرافيصهم فى الظل .. يتحدثون وفهم من كلامهم أن ماهر مريض  ولولا مرضه الشديد لجاء وحضر المقاس وأمسك بالقصبة ! ..
وحمل له الخفير الشاى .. وكوبا من الماء المروق .. وكانت الكباية الصغيرة التى صب فيها الشاى غير نظيفة فتأفف المعاون وصب الشاى على الأرض فى غفلة من الحاضرين .
وحمل الخفير ما بقى من الشاى إلى الفلاحين .. وسمع المعاون وهو جالس.. امرأة تزعق .. وتسب .. وتشكى لربها .. وعلم أنها زوجه الفلاح صاحب الشكوى وكان المعاون يود أن تنتهى المسألة قبل الغروب .. ليستطيع أن يركب الركوبة إلى البندر .. وفى الصباح يذهب بالسيارة إلى المركز لأنه لن يركب المعدية مرة أخرى فى هذا الطوفان .
وعادت امرأة عبد المحسن تزعق من جديد ..
ــ ربنا .. المنتقم .. الجبار .. من ثلاثين سنة مغلبنا .. ودا عبد الموجود الجهادية وطلع صابر الجسر .. وأخرتها حياخد أرضنا .. مش مكفياه الربعميت فدان .
ــ ياولية اسكتى ..
ــ أنا مش خايفة .. من حد .. الحاكم أهو قاعد .
ــ طيب اسكتى مفيش لزوم للكلام دا ..
أنا مش خايفة .. الحاكم أهو قاعد .. والخوف موتنا ..مين اللى حط الخرسة فى الشوال .. وخيط عليها .. مين .
ــ ياولية اسكتى ..
ونهرها .. خفير الوابور .. وطردها من المكان .. وبدت المرأة فى سوادها .. يابسة كعود الذرة الجاف .. ورمقت المعاون بنظرة فاحصه وهى تنسحب وترد طرحتها على وجهها المعروق .
*     *     *
وكان المعاون يرد بصره عن البيوت الصغيرة .. إلى النهر الطامى الذى أمامه .. والذى يرد موجه الجسر .. وبدت المراكب أمامه من بعيد كأسراب الطير .. وكان هدير النهر شديدا .. وأخذت اللجة تتحرك كلها وتنطح الجسر .
وتلفت المعاون على زعاق وجرى الفلاحون إلى ناحية المجراة وكانت المياه قد نفذت منها .. وتدفقت على زراعة لم يتم حصدها .. وجرى الفلاحون بالفئوس .. والعلايق .. سريعا .. وسدوا الثغرة .. ولكن المياه اقتربت من البيوت وتسربت فى الشقوق ..
ورأى المعاون امرأة تخرج من خلف أكوام الحطب والبوص .. تحمل صغيرا.. وكان وجهه أزرق .. وعلم ان عقربا لدغته .. وطوت المرأة الصغير فى حرام وهى تسأل عن الحلاق ليفصده .. وأمرها الاهالى أن تدخل به الكوخ لأن الهواء يؤذيه .. والغلام بين حى وميت .. وتأثر المعاون من منظر الغلام .. ووجد نفسه بعد قليل ينهض .. ويتجه إلى كوخ الفلاح ..
وقال للأم :
ــ ياولية .. نظفى الواغش الذى حواليك .. لأنه يأتى بالعقارب ..
ــ حاضر ..
ــ الصبح لازم تشيلى هذا كله ..
ــ حاضر ..
ــ أين أبوه ..؟
ــ فى الغيظ .. بيفوس دره ..
ونظر إلى الغلام .. فوجده يرتعش ووجهه أزرق .. ويده ملقاة بجانبه .. كأنها ليست من جسمه .. وكان الهباب فى سقف الكوخ .. والصماد فى الجدار .. والملابس القذرة معلقه فى جريدة منكوتة فى الحائط .. وكان المنفذ الوحيد للقاعة .. هو طاقة صغيرة لا تستطيع أن تطل منها رأس إنسان .
ولاحظت المرأة عين المعاون .. وهى تفحص كل شىء فى القاعة .. وبدت مستسلمة .. وقال وهو يرد بصره إلى الغلام :
ــ لاتعطه شيئا يأكله .. اطلاقا .. وسأخذه معى إلى الاسعاف فى البندر ..
ــ ربنا يوتق حزامك .. مات أخوه الصغير .. من لدغة .. كهذه ..
وكان صوت المرأة باكيا ..
ــ ولكن هذا لن يموت .. اطمئنى .
ــ ربنا ينصرك ..
وخرج المعاون من الكوخ وهو يشعر بكآبة تضغط على قلبه وتعصره ..
وعادت إلى رأسه صورة زوجته وأولاده وطفله الصغير سمير الذى يحبو فى البيت .. واشتاق لأن يضمه إلى صدره ..
وعندما عاد إلى الدكة .. كان الدلال قد ظهر بالقصبة فى أول الطريق .. والشمس قد سقطت فى النهر .. وسر المعاون لأن المهمة انتهت قبل الليل ..
ورأى الفلاحين يخرجون من المزارع ويسوقون المواشى أمامهم .. ظهرت الأبقار والثيران الضخمه .. والجاموس .. وكان الجميع يتحركون ببطء .. وشاهد جاموسة ضخمة تجرى على الجسر الذى يحجز المياه .. وفلاح يدفعها عنه بالعصا .. ثم انطلقت بأربع بين المزارع ..
واقترب الدلال .. وسمع المعاون شيخ البلد يقول للخفير :
ــ روح هات حصان الشيخ عبد الكريم لحضرة المعاون .. لأنه تعب من الركوبة .. وسأله المعاون :
ــ خلصتم ..؟
ــ أيوه الحمد للّه وريحنا عبد المحسن .. حسبنا عليه قيراط واحد وقع بحر.. والباقى على الشيخ ماهر ..
وجلسوا يشربون الشاى وينتظرون الركائب ..
وأخذ الظلام يزحف ببطء .. وذاب كل شىء فى الغسق
*     *     *
وسمعوا شيئا .. ضاع فى صوت الموج .. ثم خيم السكون .. وتطلعت أعينهم جميعا إلى الجسر .. ثم علا الصراخ .. وسمعوا هدير الماء المتدفق .. فجروا إلى ناحيته جميعا وحتى المعاون وثب من مكانه .. ووقف يتطلع .
وكانت المياه قد نفذت من الجسر وساعدت رجل الجاموسة التى جمحت منذ لحظات على فتح ثغرة .. ولم يلاحظها أحد .. وكان النيل يزيد فى كل ساعة .. وضعف السد فانهار جزء منه وتدفقت المياه .. تجرف أمامها كل شىء ..
وسبح التبن .. والغلال .. والطيور .. واطنان البوص وظهر الرجال كالمردة على الجسر يحملون التراب .. وعروق الخشب .. ويحاولون بأجسامهم .. سد الثغرة .. ثم وجدوا انه لاجدوى من عمل شىء .. وان الغول يزحف عليهم بكل قوته وكل جبروته ..
فنجوا بأرواحهم .. ثم سمعوا صوت رجل يهدر .. ظهر رجل جديد وكانوا يعرفون صوته جيدا .. فعادوا جميعا إلى العمل .. حتى المتقاعس منهم.. خافوا منه .. وحملوا الطين والتراب .. لسد الماء ..
وكان الشيخ ماهر قد سمع بالخبر .. فطار إلى الجسر رغم انه يرتعش من الحمى ..
وكان متدثرا وعلى كتفه عباءه .. وقف صامتا وكف عن الصياح .. ولكن مجرد ظهوره حول كل شىء إلى خلية نحل .. وتحول الرجال إلى مردة.. وخلع عباءته واندفع إلى الماء .. كانت حقوله كلها تغرق .. وكان قطنه الأبيض يلطخ بالطين ومواشيه تسبح مع التيار ..
وأدرك الرجال خطورة الحال .. عندما انهار الجزء القوى من السد .. ولكنهم وجدوا ماهر يعمل .. فلم يستطع واحد منهم أن ينسحب .. ظلوا يعملون حتى طواهم الظلام وجرفهم الوحل ونسوا ماهر ..
وتفقدوه فلم يجدوه بينهم .. وانسحبوا سريعا .. إلى الأرض العالية .. يسوقون أمامهم مواشيهم ويحملون أطفالهم ونساءهم .. ومايستطيعون حمله من متاعهم ..
ودفع شيخ البلد المعاون إلى سطح الوابور .. وتجمع الأهالى جميعا .. فى قطعة صغيرة من الأرض لاتصل إليها المياه ..
وفى تلك البقعة السوداء الصغيرة وسط هذا الطوفان .. تجمع الناس كيوم الحشر . وفى كل ساعة كان يخرج من الماء لاجىء جديد أو تسبح بقرة .
وصعدوا إليها جميعا .. عدا ماهر
وقال الفلاحون .. انه بقى .. وسط الماء يسده بجسمه ويصرخ وقد أصابته لوثة .. وقال بعضهم ان الماء حمله ثم طواه ..
*     *     *
وفى ضوء الصباح بدا شراع سفينة يقترب من بناية الوابور
وعندما اقتربت السفينة .. طوت الشراع ..
وكان الغلام الملدوغ .. هو أول من نزل فيها وكان قد تصبب عرقا طول الليل وجف عرقه وأحس بالعافية ..
ولكن المعاون رأى أن يحمله معه إلى البندر .. ويأتى له بثوب جديد ..
وعندما تحركت السفينة .. كان الغول قد التهم كل ما حوله من يابسة ..

المجداف
   ذهبت أهنىء صديقى الشيخ عبد الرحيم مهران بعودته من الحجاز .. وكانت قريته على الضفة الشرقية من النيل .. فركبت المعدية من ساحل الوليدية إلى هناك ..
وسارت بنا المركب ساعة كاملة فى ريح غير مواتية وموج كالجبال .. وبلغت القرية فى العصر .. وكانت النساء تزغرد .. والدفوف تدق والرجال يلعبون لعبة التحطيب ويرقصون الخيل فى السامر .. وكان الرصاص ينطلق من جميع أنواع البنادق .
ولم تكن هذه التحية الحارة موجهة إلى الشيخ عبد الرحيم وحده .. فقد عاد معه إلى القرية خمسة آخرون من الحجاج فى نفس الفوج .
ومع أننى جئت أهنىء وأبارك فى اليوم الرابع من وصول الحاج عبد الرحيم .. ولكن المضيفة كانت عامرة بالمهنئين والمتبركين .. وفى خلال الساعات القلائل التى قضيتها فى « المندرة » قص عليهم الحاج عبد الرحيم.. قصة الحج ثلاثين مرة .
قص عليهم ركوب الباخرة من السويس .. والطواف .. ورمى الجمرات.. والفداء ووصف لهم المدينة وقبر الرسول .. فتندت عيون الفلاحين بالدمع .. وخشعت نفوسهم وكنت تستطيع فى هذه الساعة أن تمزق جلودهم بحد السكين .. وأن تسلبهم كل ما فى جيوبهم وهم لا يحسون بك ولا يشعرون..
وكنت كلما هممت بالانصراف استبقانى الحاج .. حتى غابت الشمس .
وأخيرا نهضت فأخرج الشيخ من طيات ثيابه قطعة صغيرة من قماش الكعبة ومسبحة .. وتجمع الفلاحون يلمسون قطعة القماش ويقبلونها ويشدونها حتى كادت أن تستحيل مزقا فى أيديهم لولا أن ابن الشيخ .. خلصها منهم ووضعها فى جيبى
ثم مشى معى إلى جسر القرية .. وانحدرنا منه إلى المعدية ..
ولما بلغنا النهر .. وجدنا المعدية على العدوة الأخرى .. ورأيت قاربا صغيرا يجدف قرب الساحل ..
وسألت الملاح :
ــ إلى أين .. يا عم ..؟
ــ رايح .. الخزان
ــ تاخدنى معك .. واعطيك عشرة قروش ..
ــ من غير فلوس .. يا ابنى ..
ومال بالقارب إلى الاعشاب الخضراء التى تنمو على جانب النهر .. وسلمت على مرافقى .. وقفزت إلى القارب .
وأطلقه الملاح على التيار .. ثم جلس إلى المجاديف ..
ولما جلست مثله فى المؤخرة لمحت امرأة هناك فى المقدمة .. وكانت ملفوفة فى ملاءة سوداء .. حتى رأسها .. وكانت ساكنة لا تتحرك ..
وكان العشى يزحف علينا بقوة .. وهناك شىء كدخان المداخن يخيم على القرية ..
ولم يبد منها ونحن نبتعد عن الشاطىء غير نخيلها وقد تعرش سعفه .. وتشابك جريده .. وكانت هناك نار تشتعل .. فى بعض البيوت المكشوفة .. فى طرف القرية ودخان يتلوى فوق البيوت ثم يذهب إلى السماء اللازوردية..
ولم نعد نسمع نباح الكلاب ولا صياح الفلاحين على الجسر .. ولا زعيقهم فى الحقول .
ولفنا الليل فى مثل البرقع الاسود ..
وكان الصياد شيخا وقد نبتت على ذقنه شعرات بيضاء ولكن عضلاته كانت لاتزال قوية .. وكانت ذراعاه طويلتين ومليئتين بالحياة .
وكان ينحنى إلى الامام ثم يعود ينحنى إلى الخلف .. وأنا أحس فى كل مرة كأن ضلوعه تتقصف .
وكان التيار شديدا .. والمياه تلطم جانبى القارب .. فمال الرجل إلى الساحل ليتفادى الدوامات والتيار الشديد ..
وكانت المرأة لما دخلنا فى الظلمة .. قد أسفرت .. وبدا وجهها كالقمر.. وكانت الطرحة تغطى شعرها .. ولكن حسرتها عن جيدها .. وظهرت البشرة التى لوحتها الشمس .
وكانت صامتة .. وتنظر إلى ناحيتى من طرف عينيها .. من حين إلى حين كأنها تستغرب ركوب الافندى فى مثل هذا الزورق ..
وكان الصياد العجوز يجلس بينى وبينها ..
وبدت أسنانه الصفراء من أثر التمباك .. وهو يترك المجاديف ليلف لنفسه سيجارة ..
وبعد أن أشعلها .. استراح ..
وفى الوقت الذى أخذ فيه الصياد يعود إلى المجاديف .. مزق السكون دوى الرصاص بشدة .. ورفع الصياد رأسه يتسمع وأصغى بأذنيه إلى مصدر النار .. ثم أخذ يسحب المجاديف وقدرت أن حاجا جديدا .. هبط على القرية.. وهذه زفته وكانت الظلمة شديدة فلم نتبين شيئا على الشاطىء وعاد السكون .. ولم نعد نحس إلا بصوت المجاديف .. ثم ظهر خص من البوص على الشاطئ .. وشىء أشبه بالمقاتة .. وفى وسط الحقل شبح المقاتة .. فى أكثر من موضع .. وانسلخنا من هذا كله والزورق يمضى كالسهم .. وقلت للرجل وأنا أحس بالعرق الذى يتصبب منه .
ــ أساعدك .. ياعم ..؟
ــ كتر خيرك .. يا ابنى
وكأنما كنت ألهب حماسته فاقترب جدا من الساحل وانطلق يشق التيار ..
وظهر شبح على الشاطىء .. وقال بصوت خافت ..
ــ خذنى معك .. ياعم ..
ــ إلى أين ذاهب ؟..
ــ ارمينى تحت لريح ..
وكان ملثما وحسر لثامه .. ولكنا لم نتبين ملامح وجهه لشدة الظلام .. وبدا شىء يلمع فى يده .. ولاحت البندقية .. لما هبط المنحدر المبلول واقترب منا ..
وفى تلك اللحظة بدا لى أن الصياد العجوز .. قد فكر فى أن يفلت منه ..
فقد حول وجه الزورق .. وأبعده أكثر من عشرة أمتار .
فقال له الرجل ..
ــ ارجع .. ياعجوز .. أحسن لك ..
وأطلق الرجل رصاصة .. فى الماء .. سقطت تخشخش ..كالحجر ..
ولم يجد الصياد بدا من الرضوخ .. فرسى على الشاطىء فى لفة واحدة ..
ونزل الرجل معنا دون أن يلقى علينا التحية .. وفى تلك اللحظة فكرت فى قيمة المسدس .. كضرورة حتمية فى مثل هذا الموقف .. ورمانى بنظرة فاحصة ثم جلس على مبعدة من المرأة ..
ولقد كنا نحس بالسعادة والهدوء فلما جاء هذا المسلح .. شوه وجه الحياة الجميل فى وجوهنا .. وأشاع فينا الخوف والرهبة ..
ونظرت إلى سحنته وكلها صرامة .. وعدت أقارنه .. بالوجوه الحسنة السمحة التى كانت منذ ساعات فى مضيفة الشيخ عبد الرحيم .. خاشعة صامتة متفتحة للحياة ..
أما هذا الوجه الصارم الكئيب فانه يحمل وجه شيطان ..
ونظر إلى المرأة التى بجواره ثم رفع رأسه .. ونظر إلىّ نظرة قوية فيها كل معانى التحدى والاستخفاف ..
وكان يمكن لهذا المخلوق أن يكون شيئا آخر .. وأن يكون انسانا .. فقد كانت سنه لاتزيد على الخامسة والعشرين .. ولكن كل حركاته كانت تدل على النزق .. وتركته فى الظلمة .. وعدت أسمع صوت المجاديف ..
*     *     *
ثم نظرت إليه مرة أخرى .. وكان وجهه أسمر .. وعيناه متقدتين .. والغرور يطل من جلسته .. والحقد أيضا .. وصلف الشباب وكبرياء الجهل.. وقارنته بالناس الطيبين الذين رأيتهم منذ ساعات فى مضيفة الشيخ عبد الرحيم .
وساءلت نفسى كيف يخرج منهم مثل هذا الشاب ؟
إنه شوك فى الزرع الطيب .. وهو الذى يسود وجه الريف .. ويحجب عنه ضوء القمر .. ويجعل أهله وأعيانه يهربون إلى المدينة ..
وهو الذى جعل الريف المصرى متخلفا مظلما ورهيبا ..وأحسست بحاجتى فى هذه اللحظة لأن يكون معى سلاح .. وما حملته قط .. لأستطيع أن أقف فى وجه الشر وأواجه هذا العدوان ..
وماذا نفعل أنا والصياد العجوز والفلاحة الحسناء .. أمام شاب مسلح بمدفع رشاش .. كان قد وضع المدفع جانبا .. ألقاه من يده .. كأنه يستخف بنا .. ويستضعفنا أمام جبروته ..
وفكرت فيه .. إذا سولت له نفسه أن يرتكب حماقة .. إذا اشتهى الفتاة وتبعها .. بعد أن يخرجا من القارب .. وهناك بين النخيل .. يهددها بسلاحه.. وهل تستطيع أن تقاوم .. وفكرت فيه .. إذا تصور أن معى من المال ما يغريه على سرقتى وقتلى .. وفكرت فيه إذا تصور مثل هذا فى الصياد العجوز ..
ومثل هذا الشاب يقتل انسانا بكل بساطة ليشترى علبة سجائر .. أو يذهب إلى غرزة ..
وكان الشيخ العجوز يجدف فى صمت . . وقد توسط النهر .. وكان هناك خط أبيض وراء المجاديف .. يدور .. ثم تطويه صفحة الماء .. وكانت عيون الصياد ترقب الشاطىء الآخر باهتمام شديد ..
وكان يقترب من هناك .. وبدا النخيل الكثيف .. عند قرية الوليدية .. وسمعنا هدير الخزان .. ولاحت المصابيح .. الكابية من بعيد .. ولاحت بادرة الحياة ..
ولكن بدا لى أن الصياد يتراجع بنا ولا يتقدم ..
وقالت الفتاة :
ــ طلعنى تحت وابور الشيخ خليفة ياعم ..
ــ حاضر .. يابنتى .. بس لما نطول البر ..
وكان الرجل يبذل جهدا جبارا .. وسط جبال من الماء .. وبدا العرق على وجهه .. ولاحظت مجدافيه .. جيدا .. لم يكونا فى طول واحد .. وكان أحدهما مربوطا من وسطه بحبل متين من الليف ..
وكان الصياد يرقب الشاطىء الآخر بعين صقر .. ويجدف بقوة وبحركة رتيبة .. ولم نسمع إلا صوت المجاديف ..وأشعلت سيجارة .. وأشعل مثلها الشاب المسلح وأصبحنا نارين .. متقابلين ..
وكانت عيناه على وجه الفتاة السافرة .. وهو ينفث دخانه ..
ورحت مثله فى جذبة الدخان وهى ترخى الأعصاب فى الليل الحالم .. وأرخيت أهداب عينى .. ثم تنبهت على فرقعة .. ولما نظرت وجدت المجداف قد انكسر فى يد الصياد ..
وبدا وجهه متجهما لحظات .. ورماه الشاب المسلح بنظرة صاعقة ..
وظل الصياد فى مكانه .. مالكا زمام أعصابه .. ووجهه ساكن ..
وقلنا له فى نفس واحد :
ــ ما الذى سنعمله ياعم ؟..
ــ لا تخافوا .. سنصل البر باذن اللّه ..
وعاد الرجل يعمل بمجداف واحد .. وكان يسير بالزورق فى بطء ولكنه على أى حال اقترب من الشاطىء ..
ولاحت فوقنا كثف من أشجار النخيل الصغيرة المعرشة فاتجهنا إليها بأنظارنا مرة واحدة ..
وكانت يد الشاب المسلح على بندقيته وبدا من نظرته أنه يتحفز لشىء .. وانه ينفذ من خلال الظلام .. إلى شىء غير مرئى لنا .. وفى تلك اللحظة ظهر لى رجل الليل الرهيب على حقيقته .. تجمع .. ثم ركز حواسه كلها فى باصرته .. ورمانا بنظرة رهيبة ..
واقتربنا من خليج صغير دار فيه القارب .. وقبل أن نخرج منه وثب الشاب المسلح .. إلى الشاطىء .. دون أن يلقى علينا التحية ..
وتبعناه ببصرنا .. لحظات وهو يمضى وحده كالذئب ..
ثم لاح لنا شىء ينحدر عن التل .. تكشف لنا .. وكانت ثلاثة خيول مسرجة ..
ورأينا دخان المعركة .. بين جنود الخيالة .. وبين الشاب المسلح ..
وقبل أن يطوق الشاب .. أطلق رصاصة على القارب .. فأصابت الشيخ العجوز فى كتفه ..
واقتربت منه أنا والفتاة لنغسل له الجرح .. وأدركت عمله العظيم أدركت أنه كسر المجداف عامدا .. حتى يعوق الشاب فى وسط النيل إلى أن تطير اشارة المركز ويأتى العساكر ..
وسألته
ــ لمن فعلت هذا ياعم ؟
فنظر إلى الفتاة ولم ينطق وأحسست مثله فى هذه اللحظة بأنى أفديها بروحى لتظل هذه الزهرة أكثر نضارة ..

الطلقة الاخيرة
كانت زراعة القمح هى الزراعة الغالبة فى قريتنا .. وكان محصوله يأتى بأجود غلة فى المنطقة على الإطلاق .
وكانت أيام الحصاد هى عيدنا كل سنة ... وكنا نتخلف عن المدرسة بسببها .. حتى وإن اقترب الامتحان .. وعندما يتكوم القش فى الأجران وتدور عليه النوارج .. كنا نشعر بالبهجة الحقيقية للإنسان .
وبعد الدريس .. نبدأ فى تذرية الجرن فى الليالى القمرية الطيبة الريح ..
ولما تنفصل الغلة عن التبن .. ونراها فى أكوام مخروطية ضخمة يبلغ بنا الفرح مداه .. ونحرسها من « العين » بالنواطير .. التى نقيمها فى طريق المزرعة . ونزيد من البركة .. بالقلة الفخارية الممتلئة إلى حافتها بالماء نغرسها فى الغلة .
وكانت أحسن أنواع القمح نزرعها فى الجزيرة .. حيث الأرض العذراء التى لم يمزق تربتها السماد .
وكانت الجزيرة تبعد عن القرية بمسافة أربعة فراسخ .. وتقع على العدوة الأخرى من النيل ..
وكنا عندما نذهب إليها لندخل المحصول فى المخازن . ننقطع انقطاعا كليا عن القرية ما يقرب من الشهر وكانت هذه الأيام هى أجمل أيام حياتنا .. كنا نحس ببراعم شبابنا تتفتح للحياة فى الشمس الضاحكة .. والهواء الطلق .. وكنا نستحم فى النيل .. ونجرى حفاة الأقدام .. ونصطاد السمك المتدفق من الفيضان .. ونشعر بأن حريتنا تأخذ كل مداها وكل طاقتها .
وكنا نقضى ساعة القيلولة فى الخص مستظلين من وهج الشمس الحامية نلعب الطرطقة .. والسيجة ..
وكانت حولنا .. الماشية والطيور متروكة على سجيتها ، وهواها ..
وكانت الجمال باركة تجتر .. والثيران والابقار فى صف واحد وأمامها التبن المخلوط بالفول والنخالة .. والجاموس بعد أن أستحم .. فى النيل .. نام على الحشائش وجلده يلمع تحت ضوء الشمس .. وطيور .. الدجاج . والبط. والأوز . ترعى الحب .. كما اتفق . وتستحم فى مجراة « الوابور » .
وكان بجوار الوابور .. صف من المساكن .. من الطين والبوص وجريد النخيل .. وكان الأطفال يلعبون فى الطين ، والوحل .. وثيابهم ممزقة .. وعيونهم متسخة .. ووجوههم ملطخة بالوحل .. وأمهاتهم فى الداخل ينفخون النيران .. أو فى الخارج يملأن القدور أو البلاليص .. من مجراة الوابور .. أو ينحدرن فى الطريق إلى النيل .. وعلى رؤسهن الطرح ..
فإذا جاء العشى .. افترشنا الدريس تحت السماء المتألقة بالنجوم وأخرج أبو طاحون المزمار الطويل من جرابه وأخذ يزمر .. وكانت عنده قدرة عجيبة على النفخ دون أن يسترد أنفاسه .. وبراعة فى إخراج أعذب الأنغام .. وكان جمالا قوى البدن يقود أربعة من الجمال الضخمة .. ويلبس نعلا طويل العنق مضفرا .. وإذا جلس إلى المزمار .. نسى نفسه .. واستغرق فى فنه .. وكنا عندما نجلس حوله ننسى أنفسنا كذلك وننسى كل ما يجرى فى الحياة الخارجة عن نطاق حدودنا .
وكانت لنا ثلاثة أجران كبيرة .. لا تتغير أبدا .. ولم نكن ننقص أو نزيد من مقدار الأرض التى نزرعها قمحا بمقدار قيراط واحد .. أو نغير من موقع الجرن .. كان كل شىء يجرى على ترتيب ونظام دقيقين .. منذ حياة جدى عبد المنعم . فلما خلفه والدى سار على نسقه ومنهاجه ولم يغير طريقته وترك بيت « الوسية » يسير كما كان ..
وكان الشىء المتصل بالحصاد دائما والذى يبرز بمجرد حدوثه .. هو حارس الأجران عمار .. وكان يحرس أجراننا منذ ثلاثين سنة .. ولم يغير فى خلالها موضع خصة المجدول بالليف .
وكان عمار .. فى الفترة التى سبقت هذا العمل من أشد الرجال بطشا .. كان اسمه يرعب القلوب الفتية ..
وقد ظل الرجل طوال هذه السنين .. وحتى بعد أن انقطع عن حياة الليل.. محتفظا بكل جبروته .. وكل قوته . وكان متوسط الطول يرتدى جلبابا من الصوف المغزول ولبدة حمراء وفى وجهه المستطيل نمش خفيف .. وفى عينية نظرة الليث إذا خرج من عرينه .
وحتى بعد أن كبر وانحنى جذعه قليلا .. ظلت النظرة الكاسرة من أبرز صفاته ..
وكان حليما خفيض الصوت .. يجرد يده من السلاح .. فى النهار والليل... وكان إذا حدث ما يثيره سمعت لبندقيته زئير الأسد ..
*     *     *
وكانت الجزيرة لرداءة مواصلاتها .. وبعدها عن نقطة البوليس تكثر فيها حوادث السرقة والنهب .. وقل من يتحرك فيها فى الليل لهذا السبب ..
ولكن منطقة عمار كانت من أكثر المناطق أمنًا .. وكان الفلاحون يجلسون بجوار خصه ويلوذون به .. ليصبحوا فى المنطقة الآمنة .
وكان الرجل يسر جدا عندما أجىء إليه فى الأسبوع الثانى من شهر يونيه ومعى بعض الكتب التى أتسلى بقراءتها فى هذا المكان المنعزل ومع أنه لا يعرف القراءة والكتابة .. ولا فرق عنده بين الحروف العربية والحروف الصينية .. ولكنه كان يسر جدا من النور الذى يتصوره دوما يشع من الكتب.. وكنت فى نظره مثالا للشباب المتزن المتنور .. يقارننى بأبناء من يعرفهم من الفلاحين الذين يدفعهم الفقر والجهل إلى الجريمة .. ويشعر فى قرارة نفسه بالأسف لأن أولاده شبوا جهلاء مثله .. ولم يكن فى استطاعته أن يصرف عليهن ويعلمهن فى البندر ولم تكن هناك مدرسة فى القرية ..
وكان عنده ثلاثة أولاد وبنت واحدة .. وكانت البنت متزوجة .. وأكبر الأولاد يعمل فى المراكب .. أما الولدان الآخران فكانا يعيشان معه .. وكان خليفة أكبرهم .. وكان فى العشرين من عمره .. طويلا مفتول العضلات .. وكان يرعى الغنم فى الجزيرة .. ومن الغروب .. يسرحها . ويعود لبيته .أما الولد الثانى تغيان فكان أصغر أولاده وكان يساعد والده فى عمله ..
*     *     *
وكنت على الرغم من وجود الكتب معى فى هذه المنطقة .. أشعر بالسأم من الحياة الرتيبة التى يعيشها الفلاحون ، وكان الخص فى مواجهة غيط من الذرة الشامية كان ملاصقا للاجران فكنت أرقب منه .. الفلاحين وهم يعزقون الأرض ويسقون الزرع .. من مجراة الوابور .. وكنت كثيرا ما أسمع صراخ النسوة فى البيوت القريبة منا .. ثم أرى على الاثر جموعا من الفلاحين خارجين من الغيطان بفئوسهم وهراواتهم .. ومن عيونهم يطل الشرر ..
ولكن مجرد ظهور عمار من بعيد كان يغير الموقف فى الحال ويطفىء هذه النار المشتعلة .. وينسحب الفلاحون وتنفض جموعهم قبل أن يقترب منهم .. لم يكن أحد منهم يجرؤ حتى على رفع صوته فى حضرته ..
وكنت أسأل عن سبب هذا العراك فأعرف أن نعجة لفلاح أكلت من غيط فلاح آخر .. ولهذا السبب التافه تدور المعركة الحامية التى تسيل فيها الدماء .. ولولا وجودعمار فى تلك الساعة لسقط أكثر من صريع .. كانوا يتعاركون لاتفه سبب ويقضون النهار فى منازعات على القيراط والسهم ويتوجسون شرا من كل إنسان .. فما من إنسان ينفعهم أو يرعى حالهم وانما الكل يأخذون منهم ولا يعطونهم شيئا ..
وكان هذا الاحساس بالظلم ينفجر عندهم فى ظلام الليل ويدفعهم إلى السرقة والى السطو على العزب والقرى المجاورة ..
*     *     *
ولم أشاهد فى الأسبوع الأول والثانى من إقامتى فى هذا المكان .. إلا الوجوه التى ألفتها .. ولكن بمجرد ظهور الغلة ظهرت الرجل الغريبة .. ظهر الباعة على الحمير ومترجلين يبيعون المناديل الزاهية .. وأثواب الدمور والشاى والدخان .. وقطع الصابون المعطرة .
وكانوا يأتون من البندر ومن القرى المجاورة ..
وفى عصر يوم مرت على الأجران امرأة وكانت تحمل على رأسها صرة كبيرة فيها كل ما يحتاجه الفلاح .. من دخان .. ومناديل .. وكل أصناف الأقمشة الشعبية .. ولما رأتنى وحدى فى « الخص » اقتربت منى .. ورأيت لها وجها صبوحا وعينين دعجاوين .. وفما غليظ الشفة وحسنة كبيرة على الخد وحلقة مغروسة فى الانف الدقيق .. وعرضت كل ما عندها من بضاعة.. وألحت لاشترى منها شيئا بدلال الأنثى الناضجة .. ولكنى رفضت.. فذهبت بهدوء إلى النخيل ..
وفى اليوم الثانى جاءت فى نفس الميعاد تعرض بضاعتها ، وأصبحت تجىء كل يوم ..
وعرف الفلاحون أن اسمها ناعسة .. وكنا لا نستطيع أن نشترى منها شيئا لأننا كنا نتعامل بالغلة .. وكنا لم نضرب الكيلة فى الغلة بعد ..
ونتشاءم جدا من مس أكوام الغلال قبل أن ندخل شيئا منها فى البيوت ..
وفى عصر يوم شاهدتها .. ترقص على مزمار أبو طاحون .. وكانت مثيرة فى رقصها وحركاتها .. والبريق المشع من عينيها ..
وظل السامر مشتعلا إلى الليل ... ثم أطفأت بفمها النار . وانثنت وحملت صرتها .. وذهبت إلى النخيل .. وظللنا نتبعها بأبصارنا حتى توارت ..
*     *     *
وشغلنا فى صباح اليوم التالى بإدخال المحصول .. بدأنا بأول جرن وأخذت الجمال تحمل الزكائب وتسير فى صف طويل ..
وكانت قوة الشباب من الفلاحين .. تظهر فى أثناء هذا العمل .. كانوا يعملون من شروق الشمس إلى غروبها دون كلل .. وكان منهم من يرفع الزكيبة فى رفعة واحدة ..
ولاحظت من اليوم الأول أن خليفة ابن عمار .. هو أشد الفتيان قوة ..
كان يبزهم جميعا .. يرفع عشر كيلات فى رفعة واحدة ..
وكان والده ينظر إلى قوته فى فخر وزهو ..
وكان تخزين المحصول يستغرق خمسة أو ستة أيام ..
وكان عمار فى هذه الأيام لاينام فى الليل أبدا .. لأن سرقة كيلة من القمح كانت تأتى للفلاح بثوب من الدمور ..
وكانت زراعة الذرة ملاصقة لنا .. ومن السهل أن يتسرب منها اللص إلى الجرن ثم يعود ويختفى فيها ..
وكان الرجل مرهوبا بطبعه .. ولم يكن هناك إنسان يجرؤ على الاقتراب منه .. ولكن الشيطان لايفتأ يوسوس فى صدور الناس .. ولذلك تنبغى اليقظة دائما ..
وكنا بعد أن نكيل الغلة فى آخر النهار .. نسوى « الهدار » ونعلمه .. حتى إذا سرق منه شىء فى ظلام الليل عرفنا ..
وكنت أنام قريبا من الغلة .. على حرام ومخدة .. وتحت رجلى بطانية .. ولم أكن استعملها إلا لأتقى بها الناموس .. وكان عمار ينام قريبا منى وحولنا الفلاحون المشتغلون فى الجرن
وكنت أنام فى معظم الليالى بمجرد أن أضع رأسى على المخدة لانى كنت أطمئن إلى حراسته .
وذات صباح استيقظت مبكرا على صياح فلاحة قريبا منا . وسمعتها تقول:
ــ الأولاد .. سرقوا البقرة .. ياعمار .. وكان دليلهم ابن عبد الصبور ..
ورد عليها عمار
ــ ابن عبد الصبور .. لا يأتى بالناس الغريبة إلى هنا .. ولا يسرق ..روحى ابحثى عن السارق ..
ــ هو الذى سرقها .. وباعوها .. وأخذوا الفلوس .. وبيروح بالفلوس عند « الغازية » فى النخيل ..
ــ روحى ياولية .. روحى .. ابحثى عن السارق الحقيقى .. فلا يوجد عندنا من يسرق ..
قال هذا عمار بغضب .. فذهبت المرأة ..
وفى الضحى وكنا جالسين فى الخص مر علينا ابن عبد الصبور .. فصاح فيه عمار ..
ــ انت ياولد .. يا حمدان ..
ــ نعم ...
ــ روح هات .. بقرة فطوم .. كما أخذتها .. وفى الظهر تكون البقرة هنا. فى الظهر .. وإلا أنت عارف ما سيحدث لك ...
ــ أنا لم آخذ بقرا .. من أحد .. ولا أعرف زريبة فطوم .
ــ الأحسن لك ان تأتى بها .. وأنا منتظر ..
ــ أنا لم آخذ البقرة .. ولا أعرف زريبة فطوم ..
واستمر يصيح هكذا .. ولم يرد عليه عمار ..
وقبل أن ينتصف النهار رأينا البقرة مقبلة وحدها بين الغيطان .
*     *     *
وفى صباح يوم من أيام الاثنين بدأنا « ندخل » غلة الجرن الثانى .. وبعد أن انتهى الكيل .. سوينا الغلة الباقية وعلمناها كالعادة .. ولاحظت فى ندى الصباح بعد أن طلع النور ان هدار الغلة .. قد جرح وأخذ منه .. نصف أردب على الاقل .. لم احدث عمار .. بالذى حدث ولكننى لاحظت بعد ان دار دورتين حول أكوام الغلال كعادته .. ان سحنته قد تقلصت .. ولم يحدثنى بشىء .. ولكنه ظل طول النهار ..متجهما على غير عادته .. وكان يقلقه ان يلاحظ الكيال .. والفلاحين الذين يشيلون الزكائب .. فتضيع هيبته فى الجزيرة ويسرى الخبر حتى يصل إلى القرية ..
*     *     *
وفى الليل .. لما جلسنا على الجرن قريبا من الغلة لاحظت انه لايزال مشغولا بما حدث .. وأخذنا نشرب الشاى ونتحدث ولف لنفسه سيجارة .. وأخذ يدخن ..
ومر بنا فى الطريق الزراعى ثلاثة عساكر على الخيل .. وكانوا يسرعون..
فسألت عمار ..
ــ هل حدث شىء فى الجزيرة ؟
ــ ابن عبد الموجود .. ضربه أحد الصيادين بالنار ..
ــ وقتل ..؟
ــ لا .. جرح .. فقط ..
ــ ومن المعتدى ..؟
ــ الفلاح .. طبعا .. إن الصيادين مساكين يسعون لرزقهم .. ويتعرضون فى الليل .. للامواج والبرد .. والرياح الهوج .. ولكن الفلاح لايرحمهم .. عندما يراهم يجرون الشباك على الشاطىء .. يريد أن ينتزع منهم رزقهم بالقوة فى لحظة .. الرزق الذى سعوا له طول الليل .. وهنا يحدث الصراع ..
ــ وهل هم هنا مسلحون دائما ..
ــ أبدا .. ان الفلاحين .. هم الذين علموهم هذا أخيرا ..
ــ إن الذى بيده السلاح .. من السهل عليه أن يطلق النار .. وأن يقتل ..
ــ وهذا ما يحدث فعلا .. مع الأسف يابنى ..
ــ وهل تأسف على القتل يا عم عمار ..؟
ــ بالطبع يا بنى ..
ــ ما أكثر الذين قتلتهم .. فى حياتك ..
ــ أنا .. من الذى حدثك بهذا يا بنى ..
ــ الفلاحون ..
ــ أنهم كاذبون .. وينسجون الحكايات من الأوهام ..
ــ ألم تقتل أحدا .. وأنت رجل الليل ..
ــ أبدا .. يا فتحى افندى .. ابدا .. أيخلق اللّه الإنسان لنقتله . إن هذا لا يمكن أن يحدث .. ان اللّه الذى خلقه وهو الذى يميته ..
ــ وفى الليل .. ألم تضطر إلى اطلاق النار ..
ــ كثيرا ... ولكن للإرهاب فقط .. الذين كنا نسرقهم .. كنا نرهبهم فقط .. كنا نسرق المواشى .. وكنا نسطو على السرايات .. ونسرق الخزن.. كان الأغنياء يودعون كل نقودهم فى بيوتهم .. لم يكونوا يضعونها فى البنوك كما نرى الآن .. ومرة دخلنا على رجل غنى فى حجرة نومه .. وكان مفتاح الخزانة تحت المخدة .. فقبض عليه فى يده واستمات فيه .. وكنت أستطيع أن أقتله .. وان آخذ منه المفتاح .. ولكننى أمرت الرجال بتركه .. وخرجنا دون سرقة .. لأنى أعرف أن القتل جريمة لا تغتفر ..
ــ ولكن فى حياتك الطويلة .. ألم يحدث مرة أن أطلقت النار وقتلت شخصا .. ولو عن غير قصد ..
ــ أبدا .. يافتحى أفندى .. إن البندقية فى يدى .. لأحمى بها نفسى ...
ولكن حدث لى حادث رهيب منذ سنوات .. وسأحدثك عنه .. وما حدثت به إنسانا سواك ..
وتجهم وجهه قليلا ..
وقال وهو يرسل الدخان الأزرق فيتلوى فوق رأسينا فى الريح الساكن ..
ــ حدث فى سنة 1919 .. وكانت الثورة قد انطلقت فى كل مكان مرة واحدة من الاسكندرية إلى أسوان .. كنا نحارب الانجليز عند قرية الوليدية .. وكنا وراء الأحجار .. التى كانت معدة لتدعيم خزان أسيوط وأخذنا نصليهم بالنار كانوا على مبعدة أمتار منا فقط وكانت حالتهم فى غاية السوء .
كنا قد حاصرناهم عند الخزان وفى المدرسة الثانوية .. سبعة أيام كاملة وعلى وشك أن نبيدهم جميعا وقد قطعنا عنهم المدد عن طريق السكة الحديد ومن كل طريق وفعلنا كل ما يفعله القائد المدرب فى الحرب مع أنه لم تكن لنا قيادة على الإطلاق .. ولكنا كنا نحارب بفراسة الرجال الشجعان ..
وكان رفيقى فى الموقع زيدان وكان أحسن رجل فى ضرب النار .. وكان من البراعة فى التصويب بحيث أذهل كل من حولنا ..
وفى أثناء انتصارنا الباهر .. ظهرت طائرة للأعداء فوق رءوسنا كانت قادمة من القاهرة .. ولم نكن نعرف شيئا عن الطائرات .. وأخذت تلقى القنابل فتغير الموقف .. وذعر الفلاحون وطاروا على وجوههم ...
وجريت وأمامى زيدان على الرمال بين النخيل .. ثم غاب عنى ولم أكن أعرف أين ذهب ...
ثم بصرت به وأنا أمشى .. مكوما تحت شجرة .. وكانت القنبلة قد مزقت جسمه ولكن بقيت فيه الروح ..
وحملته وسرت به طويلا فى الظلام .. والدم يلطخ وجهى وثيابى ... وكان الدم قد أعمى عينيه .. ثم وجدته يتعذب .. ووجدت نفسى أكثر عذابا منه ولا أدرى من أين جاءنى الخاطر الرهيب لأتخلص منه .. فقد وجدت ما بقى من جسمه مسخا مشوها .. لا يجعل منه رجلا على الإطلاق .. وقدرت انه سيعيش ساعات .. ربما بقى إلى الصباح ..وربما يموت قبل ذلك .. ولكنه سيتعذب عذابا كبيرا فى أثناء هذه المدة .. عذابا لا يحتمله إنسان .. فلماذا لا أريحه من هذا العذاب .. مادام أنه سيموت حتما .. ولماذا أجعل أهله يرونه على هذه الصورة البشعة .. وألقيته .. على الأرض .. وبعدت عنه ثم استدرت إليه وأطلقت عليه طلقه واحدة وأنا أغلق عينى .. وسرت فى طريقى ..
وبعد أن تركته كنت أتصور أننى استرحت منه ومن العذاب إلى الأبد ... ولكن لما رجعت إلى البيت .. ووضعت رأسى على الحرام نهشت رأسى الافكار المدمرة .. وأدركت أن العذاب بدأ من هذه الساعة ..
وقلت لماذا قتلت زيدان .. وهو شاب فى ريعان شبابه ربما أمده الشباب بالقوة وعاش .. من يدرى .. لماذا أنهيت حياته فى غير الساعة التى ارادها اللّه ... أيخلقه اللّه لنميته نحن ..
وظللت فى عذاب مدمر .. ثلاثة أسابيع كاملة وكان وجهى أسود .. وسحنتى سحنة مجنون .. ولم يعرف أحد من أهلى ... ما جرى .. لم يعرف أحد سرى .. وكنت قلقا ملتاعا .. ووجدت أخيرا ما يشغلنى عن هذا العذاب .. خرجت فى الليل لأسطو ... على العزب .. واستغرقنى هذا العمل ووجدت اسمى يدوى كرجل رهيب .. ولولا أن جدك عبد المنعم أعادنى إلى صوابى .. وجعلنى حارسا على أجرانكم .. لعشت فى الضلال إلى الموت ..
صمت عمار .. وأخذ يدخن .. وبدت خيوط من الظلال الكثيفة تزحف علينا ..
وقد عجبت لما فى النفوس البشرية من أسرار ...
وغلبنى النعاس فنمت ..
*     *     *
وفى الصباح .. رأيت أن الغلة .. قد سرقت أيضا ورأيت فى عينى عمار أنه يعرف أن الغلة جرحت .. فصمت وتألمت لحاله ... وأنا أرى الرجل يكتم غيظا لا حد له ...
*     *     *
وسهرت ذات ليلة .. وأنا أتناوم .. لأحاول أن أكتشف السارق .. ثم غلبنى النعاس ... ولما فتحت عينى ..
وجدت .. عمار .. يصوب بندقيته .. ولمحت شيئا فى الظلام يجرى سريعا ودخل الذرة .. فأطلق وراءه عمار طلقة واحدة ...
ولما أسرعنا إلى هناك لنعرف السارق .. ذهلنا لما أصبحنا على قيد خطوة منه .. فقد كان خليفة ابنه .. وكان ملقى على وجهه وبجانبه الزكيبة وقد سالت منها حبات من القمح على الأرض .. وكان قد أصيب فى مقتل ..
وظل عمار فى مكانه مفتوح العينين .. وقد تجسمت ملامحه من هول الموقف ووجوه الفلاحين أشد ذهولا منه ... وما نطق واحد منا بكلمة .. أصبنا جميعا بالخرس الحقيقى ..
وأحسست بشىء ثقيل يجذبنى ويشدنى إلى الأرض .. ولكننى تماسكت ووقفت ساهما .. وقد تغشت عيناى ..
وسقط رأس عمار .. ثم أخذ يحملق فى بنظرة كئيبة ..وقد خرس لسانه.. ولا أدرى هل مرت عليه السنون فى هذه اللحظة .. وتذكر الرجل الذى صرعه هناك بين النخيل .. فقد بدا فى عينيه شعاع الفزع الذى يعتصر الإنسان حين يواحه ما قدر له .. ثم ما لبث الشعاع أن انطفأ .. وعاد يدير فينا عينين مظلمتين ..
وكان ضوء القمر قد بدأ ينتشر خلفنا هناك .. فى شاطىء النهر فلمحت امرأة أعرفها .. لمحت ناعسة على رأسها سرة .. وأمامها دابة تحمل زكيبة كبيرة وغلامان صغيران ... وخلف هذا ثلاث عنزات .. وكانوا قد تركوا النخيل وأخذوا يسرعون فى طريق المعدية ..
ونظرت إليها لحظات ثم رددت بصرى إلى القتيل الراقد هناك ..
وعجبت لتصاريف القدر وما يعده للإنسان ... فى أشد لحظات أمنه ..
وكان عمار لم يغير مكانه .. ولكن كان قد ترك البندقية من يده .. ونظر شاردا إلى هناك فلا أدرى هل رآها وهى تمضى وراء قطيعها ام لا ... ولكنه على اى حال لم يتحرك .. ظل فى مكانه ينظر الينا بعينين تائهتين ..
وكانت البندقية لاتزال ملقاة بجانبه .. وما أمسك بها بعد ذلك ابدا ... فقد كانت هذه هى الطلقة الاخيرة ...

فى البريـــة
كان العشى يزحف على القرية .. وتسربت خيوط الظلمة إلى داخل الأفنية وبدت السنة من الدخان الأسود تتصاعد من سطح البيوت .. ابذانا باعداد العشاء للرجال العائدين من الحقول .
وكان الهواء ثقيلا فى داخل المنازل وخارجها .. وظلت الدواجن والفراريج رغم الظلمة الهابطة تنقر الأرض الجافة حول المساكن .. وفى أطراف البساتين .
وكانت حوافر الدواب تحفر على الجسر فى الأرض المتربة .. والكلاب تتوثب وهى تنبح بشدة .. كلما دخل القرية فوج جديد .
وأخذت أسراب من الأوز والبط والديكة تصرخ وهى تجرى باحثة عن ملجأ من هذه الأرجل العمياء .
وظلت الابقار تثغو .. كأنما تنادى .. عجولها الصغيرة .
وكانت القرية مشهورة بأبقارها السمينة إذ إنها تطلقها ترعى على هواها فى أرض الجزيرة البكر طوال السنة تحت الشمس الضاحكة .. والهواء الطلق.. فتنمو كالعشب البرى مكتنزة سليمة .
وعندما تغمر الجزيرة مياه الفيضان فى سبتمبر من كل عام وتغرق الصوامع والزرابى تنقل المواشى إلى القرية .
وكان عبد الرحمن فراج وهو فلاح كادح من أهل القرية .. يعنى بتربية العجول .. ويملك أحسن قطيع للماشية .. وكان قطيعه يأتى مع آخر فوج.. ووقف على الجسر ينتظره .
وكان ابنه حسان يسوق البهائم إلى القرية قبل أن تطفل الشمس ..
وكانت تسير فى طريق الوادى المقفر وقد اعتاد الفلاحون على سلوك هذا الطريق ليختصروا من المسافة أربعة فراسخ .
وكان عبد الرحمن يتوقع عودة قطيعه فى الغروب فلما تأخر ترك الجسر وخرج لملاقاته فى البرية وتقدم الرجل فى خط مستقيم تجاه النيل .. وبعد أن ابتعد بمقدار فرسخين عن القرية .. انتابته الهواجس .. وخشى أن يكون ابنه قد أصابه مكروه .. فسرقت منه البهائم وقتله اللصوص .. وجعله هذا الخاطر يسرع فى مشيته ويشحذ حواسه .. ولما بلغ بطن الوادى أحس بأنفاس التراب الذى تحته وبالهواء الراكد يخنقه .. وسمع حركة فأرهف سمعه .. وحاول بجدع الأنف أن يسمع حوافر الدواب وهى مقبلة من بعيد .. وكان نظره الثاقب لا يستقر فى مكان .. ورأى الحسك والشوك والعشب البرى ينمو فى مواضع متفرقة .. وبقايا الجذور السوداء قائمة هناك فى التربة القاحلة .
وأصبحت البرية أشد وحشة ورهبة فى الليل .
ورأى سوادا يتحرك .. فلما تبينه بوضوح لم يجده شيئا .. وكان قد أبعد عن الطريق المألوف وعن المزارع .. ولكنه كان يسمع نباح الكلاب يتأتى إليه من بعيد .. وكان الغسق يدمى .. والريح ساكنة سكون الموت .
وفيما هو متجه نحو الشرق اقترب من شجرة صغيرة من أشجار السنط .. النابتة بفضل الطبيعة فى تلك البقعة الجرداء فتوقف بجوارها يأخذ أنفاسه ثم جلس وأشعل لنفسه سيجارة .. بعد أن أراح البندقية أمامه وتفرس فى الظلام وومض شىء فى السماء كالشهب .. ثم عادت الظلمة أشد مما كانت وأخذ وهو جالس القرفصاء يعبث بأصابعه فى الأرض الرملية فلمس شيئا مدفونافى الرمال وأزاح بيده التراب .. حتى غابت أنامله فى شعر غزير وأدرك أنه شعر إنسان فارتعش بدنه .. وظل جامدا بلا حراك .. وعيناه تحدقان فى رعب .. فقد فوجىء بشىء لم يكن يتوقع وجوده أصلا فى هذا المكان .
ولما عادت إليه نفسه انحنى وأزاح التراب سريعا .. فقد تصور الجسم المدفون لايزال حيا .
ورأى فى عتمة الليل وجه فتاة من أهل القرية مشهورة بجمالها الفتان .. فتاة لاكتها الألسنة أخيرا وبلغ خبر السوء أهلها .. وهاهم قد واروها مع الخبر فى التراب .
اقترب عبد الرحمن من وجه « نجية » يتأملها فى سكون الموت .. كانت الفتاة لا تزال محتفظة بنضارتها وكأنها مازالت تتنفس .. كان وجهها لا يزال على جماله .. ولم يأخذ منه الموت بعد .. وأحس عبد الرحمن برجفة وذعر .. إن القتل رهيب .. والروح التى انطلقت فى عليين منذ لحظات .. هى التى ترعشه الآن .. انتابته رعدة لم يحس بمثلها فى حياته .
كان إحساسه بأن بجواره فتاة قد قتلت منذ ساعة قد شل حواسه وأرعش بدنه وهو الريفى الجسور .. وكم من مرة خرج فى الليل .. وجاب الطرقات.. ولكنه الآن يموت من الذعر .. ومعه السلاح .. وكم من مرة نزل إلى القبور ووسد بيديه هاتين الموتى من الفلاحين .. ولم يشعر بغير الحزن الذى يحس به الإنسان نحو الموتى .. ولكنه يرتجف الساعة لأن بجواره قتيلا والقتل رهيب وبشع .. ولقد لمس رهبته وبشاعته ... ان الروح ليست رخيصة بالحد الذى يتصوره السفاحون .
وعاد يتأمل وجه « نجية » .. كانت نائمة نوما لا حلم فيه .. وخدها على كفيها .. وشعرها الغزير الاسود كليل يدخل فى ليل ..
وبدت له فى الواقع أجمل من كل من رأى من النساء ومع إنها ماتت مخنوقة .. ولكنها ظلت جميلة .. ولم يستطع الموت أن يمحو نضارتها .. وحدق فى وجهها ورأى آثار الاصابع فى عنقها .. وخطا أزرق فى مكان الكردان الذى كان عليها .
ونفض عن ثوبها الأزرق الرمال العالقة به .. وغطى وجهه بملحفته .. ثم استقبل القبلة وصلى عليها ركعتين ..
وعاد فحفر لها حفرة بعيدا عن مواطىء الأقدام .. وسواها فيها .
ووقف وقد غلبه الحزن ينفض عن ثوبه التراب ويفكر فى الذى فعل هذه الجريمة من أهل الفتاة .. قد يكون عمها عبد الصبور .. وقد يكون خالها هشام أو أخوها خليفة ان الجهالة تركبهم جميعا فى مثل هذه الحالة وطباعهم طباع السفاحين .. وحار فيمن فعل ..
وأحس بالأسى على عقل الإنسان عندما يتلوث .. ويتحكم فيه الشيطان.. واعتصر قلبه آلام على المصير الذى لاقته الفتاة المسكينة وفكر فى إنها مظلومة .. وانها رميت بالسوء دون بينه . وان الجهالة تعمى البصيرة وتغلق كل مسالك العقل وتدفع إلى الجنون .
*     *     *
وكان حادث الفتاة قد أنساه ابنه حسان فرجع يفكر فيه .. وفى سبب تأخره إلى هذه الساعة ثم خطر له أن يطلق طلقة فى الهواء فان كان ابنه قريبا من المكان وسمع صوت الطلقة سيرد عليها بمثلها .
ورفع البندقية .. وأطلق طلقة وجاء الرد سريعا من طلقة مكبوتة لم يهتز لها الجو .
ولكنه سمعها بوضوح بسبب ركود الهواء .. وشعر بالفرحة .. وتحرك فى اتجاه المكان الذى خرجت منه الطلقة .
وكانت النجوم قد أخذت تلتمع فى السماء وبدت الظلمة فى البرية أخف مما كانت من قبل .
وتطلع الرجل إلى التل ... ورأى عن بعد خطا أسود يتحرك فى الظلام فى بطء وسكون .. وأحس بأنه قطيعه وانحرف إلى التل ليكون أسرع فى الوصول إليه وتعثرت قدماه وهى تمضى على عجل فى رجل ملقى على سفح التل .. فاستدار إليه وهو يحسبه نائما أو أصيب بضربة شمس .. ولما حركه وجده خليفة أخا الفتاة المقتولة .
وقد أصيب برصاصة فى صدره والدم مازال ينزف منه .. ورأى يده قابضة على شىء .. الكردان الذى انتزعه من عنق الفتاة منذ ساعة ولعله كان يحمله إلى أهله كدليل على تنفيذ جريمته .
وعجب عبد الرحمن للضربة التى جاءت سريعا دون أن يحسب لها حسابا.. ولم يكن يدرى أرصاصته هو أم رصاصة ابنه هى التى قتلت الرجل ولكنها على كلتا الحالتين كانت ضربة من القدر فى صدر الجريمة وجاءت سريعا قبل أن يجف الدم المهدور .
وحفر عبد الرحمن حفرة للرجل وسواه فيها كما سوى من قبل الفتاة .
وأطلت فى هذه اللحظة رءوس القطيع من فوق التل !!

الـــرماد
كانت الليلة شديدة الظلمة .. والريح تعوى فى البساتين .. عاصفة بأوراق الاشجار وسعف النخيل .. وكانت بداية رياح الخماسين على منطقة الصعيد .. ولم تخف وطأتها بالليل كما كان متوقعا بل ظلت تهب على قرية المعصرة محملة بالرمال والغبار ولم يكن للفلاحين سبيل إلى مقاومتها غير الاحتماء فى البيوت .. وحبس الماشية .. فى الحظائر .
وكان الغبار الشديد قد حجب الرؤية تماما .. ولف القرية فى مثل الضباب الأشهب فزاد من وقع الظلام وخفت الرجل فى الدروب ولم يعد يسمع إلا نباح الكلاب .. كلما بصرت بشبح يتحرك فى جوف الليل .
وكان هناك رجل يمشى .. فى قلب الزوبعة .. غير حافل بها ويتجه إلى القرية بخطى ثابتة وكان قد عبر النيل من البر الغربى فى زورق صياد رماه عند الغسق تحت القرية وظل الرجل فى مكانه تحت الريح حيث أخرجه الصياد منتظرا الساعة التى قدرها لتحركه .. ولما مالت النجوم انحدر سعيا إلى القرية..
وكان نباح الكلاب يشتد وهو يقترب والظلمة تبدو أكثر جهامة .. ولكن الزوبعة كانت قد خفت نوعا وخف ما تحمله من أتربة وأصبحت الرؤية مستطاعة فى ظل الأضواء الشاحبة المطلة من طاقات البيوت .
ولما أصبح على مبعدة نصف فرسخ من القرية جلس بجانب قنطرة هناك يدور بعينيه فى الظلمة وقد خلع البندقية عن كتفه .. ووضع العباءة الحمراء.. على الأرض بعد أن طواها طيتين .. وأمسك بخزان الرصاص يتفحصه ثم أداره على وسطه ، وأشعل سيجارة ثم أطفأ رمادها .. ونهض واتخذ طريق النخيل .
وكان حسان يدخل قرية المعصرة لأول مرة منذ عشر سنوات .. مع إنها على مبعدة ثلاثة فراسخ من قريته ومتداخلة فى زراعتها ولكنه كان قد أقسم منذ أن قتل والده غيلة وهو راجع من السوق ألا تطأ قدمه أرضها إلا بعد أن يقتص لأبيه ويأخذ بثأره فقد كان حسان أكبر أخوته وكان عليه وحده أن يغسل الدم الذى لوث الأسرة ويمحو العار .. ولكن القدر كان له بالمرصاد .. فقد مات الرجل الذى قتل والده موتة طبيعية بعد شهر واحد من الحادث ولم يمزق جسمه الرصاص .. كما كان يتمنى .. وترك القاتل غلاما يدعى عباس فى الثانية عشرة من عمره .. وكان حسان يود أن يقتله .. ولكن أم حسان منعته من قتله حتى يشتد ساعد الغلام ويمسك البندقية مثله وهنا يتصارع الندان والا يصبح الثأر مهزلة وأضحوكة الفلاحين .
ولما بلغ عباس مبلغ الرجال ترصد له حسان وعرف كل تحركاته فى الليل والنهار .. وخرج له فى هذه الليلة ليطارده ويرديه .. وكان الغضب يثير دمه.
وتمثل له حادث مقتل والده الذى حدث منذ سنوات طويلة وكأنه قتل منذ ساعة فرجع يحرق الارم .. ويعض على نواجذه غيظا .. وتقدم بين أعراش النخيل .. حتى رأى نورا ينبعث من بيت صغير خارج القرية فاقترب منه .. فلما كان على بابه وجد طفلا صغيرا على العتبة .
فطلب منه أن يشرب .. وخرجت أم الطفل بالكوز ووقفت سافرة تتأمل وجه الرجل الغريب وهو يروى ظمأه .
وسألته :
ــ هل أنت قادم من السوق ؟
ــ أجل .. وتأخرت .. كما ترين ..
ــ يبدو لى انك لم تشتر شيئا ..
ــ كنت أود أن أشترى بقرة .. بدل التى نفقت فى « البرسيم » ولكننى وجدت البقر غاليا جدا .. فرأيت أن من الخير لى أن أشترى من سوق السبت..
ــ اذهب .. إلى بيت عبد الصبور .. انه يتاجر فى البهائم .. وهو يستطيع أن يشترى لك بقرة رخيصة .. من منفلوط أو الحواتكة .. أو حتى من ديروط.. أنه يتردد على هذه البلاد كلها ..
ــ فكرت فى هذا على التحقيق .. بعد أن خرجت من السوق
ــ أو تعرف بيته .. ليذهب معك هشام ..
ــ الشكر لك .. اننى أعرف مكانه .. وسأجده الساعة فى مقهى القرية .
ــ أجل انك ستجده فى مقهى رميح .. يشرب الشاى هناك وربما كان يلعب الورق مع الفتيان .
ــ كتر خيرك ..
وحركت المرأة طرحتها ولمست بها شفتيها الرقيقتين .. وهى تتحدث كأنها تغطى أسنانها اللؤلؤية فتزيدها بريقا وصفاء أو تزيد من جمال وجهها .. وكانت ناضرة المحيا وهى سافرة .. ولكن هذه الحركة التقليدية زادتها فتنة .
وكان حسان يرى فيها وجه أمه قبل أن تترمل .. ويذبلها الحزن والاسى.. بعد مصرع والده .. وشكرها وانصرف ..
وظلت المرأة تلاحقه ببصرها حتى بعد أن أبعد ودخل فى الظلمة ..
*     *     *
وكان حسان يعرف أن غريمه عباس يجلس فى هذه الساعة فى المقهى الذى فى الدرب الرئيسى والذى يشق القرية نصفين يشرب الشاى .. ويتحدث مع الفلاحين فرأى أن يكمن له فى البستان الذى خلف القهوة حتى يخرج منها إلى الدرب . وهنا يرديه برصاصة مصوبة إلى القلب .
وجلس حسان فى البستان .. متلفعا ومتوثبا لغريمه .. وعيناه ترقبان فى حذر وتيقظ ..
ومرت لحظات رهيبة كان يسمع فيها صفير الريح .. وعواء أشبه بعواء الذئاب .. ثم صرخات مكتومة كأنها خارجة من الجحيم .. وكان الليل يلف البستان فى شملته السوداء .. ومقابر القرية خلفه تبدو كأنها فاتحة أفواهها لكل نازل جديد .
وكانت أوراق الشجر تتطاير تحته كلما سفعتها الريح .. وأحس برعشة وهو جالس وحده .. وخلفه المقابر .. وجرى فى حسبانه .. ان عباس قد لاتصيبه أول رصاصة .. وهنا يستدير إليه .. وقد يقتله .. وظل هذا الخاطر يعذبه . ولكنه استفاق منه .. وهو يتأمل سلاحه وكان من أحدث طراز من البنادق وعاوده الاطمئنان ولمح رجلا فى مثل قامة عباس يخرج من المقهى ويمشى فى الدرب .. فحدق فى الظلمة ويده على الزناد ولكنه تبين انه
شخص آخر .. فتوارى خلف سياج البستان كما كان ..
ومرت دقائق من الانتظار الرهيب .. كانت قاسية وشديدة الوقع على نفسه .. واشتاق لأن يدخن سيجارة ومع أن العلبة كانت فى جيبه ولكنه خشى أن يدل ضوء السيجارة على مكمنه فظل فى مجلسه قلقا  يمر بساعة الانتظار الرهيبة ..
*     *     *
وفجأة أحس برائحة النار من حوله فاستدار برأسه فرأى دخانا كثيفا يتصاعد فى الجو ويدخل فى الظلمة .. ثم سمع على أثره صراخا .. ورأى ألسنة اللهب .. تتصاعد من مدخل القرية . والدخان يتجمع ويتلوى فى أعمدة ثم تحمله الريح إلى ناحيته .. والنار تزداد اشتعالا كلما هبت الريح ..
وعندما وثب من مكانه .. وتطلع من مكان عال .. كان الجانب الشرقى من القرية يشتعل كله ..
اشتعلت البيوت والأكواخ الصغيرة والكبيرة .. واشتعل الدريس .. وسعف النخيل واشتعلت حتى صوامع الغلال .
وسحبت البهائم أوتادها وطارت بها وفزعت الكلاب .. وجرت الطيور على وجوهها مذعورة وهى ترفرف بأجنحتها وتصوصو .
وكان الشرر يتطاير .. والدخان يحجب السماء ..
وجرى الرجال والنساء وحتى الأولاد الصغار فى كل اتجاه يحملون القدور والبلاليص والدلاء ليكافحوا بها النيران ..
وتجمعت جموع الناس تحت الوهج المشتعل ..
ووقف حسان بعيدا خلف الجموع والبندقية لا تزال فى يده يرقب اللهب..
ثم رأى شيئا جعله ينتفض .. فقد رأى المرأة التى سقته الماء منذ ساعة واقفة على الجسر .. تصرخ وقد شقت ثوبها .. وكان بيتها قد اشتعلت فيه النار وفى داخل البيت غلامها الصغير الذى رآه حسان .. ولا أحد يستطيع أن يجتاز حلقة النار .. ويدخل وسط اللهب لينقذه ..
وكان صراخ المرأة يفطر الأفئدة ..
ورأى حسان رجلا يندفع فى وسط اللهب .. وخيم السكون ووجفت القلوب .. وحدقت العيون ..
*     *     *
وخرج الرجل من قلب النار حاملا الطفل على صدره .. وعرفه حسان .. أنه عباس الذى يطارده .. وبكت الأم من الفرح وتناولت طفلها ..
*     *     *
ووقف حسان فى مكانه يتأمل المنظر لحظات ثم وجد نفسه يحرك أكرة البندقية ويخرج منها مشط الرصاص ...
وكانت النيران مازالت تأكل بعض الجريد والدريس .. ولكن ثورتها قد خمدت تماما ..
ولم يعد فى مقدورها أن تأكل شيئا آخر .. كانت قد تحولت ثورتها إلى رماد ..

الجــواد
نصر الدين قرية صغيرة هادئة على خط الصعيد ندر ان تقع فيها حوادث.. ولكن لموقعها الجغرافى ولأنها المعبر بين الضفة الشرقية ..والضفة الغربية للنهر .. وضعت فيها نقطة بوليس
ويحدث فى قليل من الحالات ان يفلت شقى خطير من يد السلطات ويعبر النهر .. ليركب القطار أو يغيب فى الجبل
فيصبح ضابط النقطة أمام عدو رهيب ...
ومع ان هذه الحوادث قليلة .. ونادرة .. الحدوث .. ولكنها تروع الناس الامنين المسالمين فى المنطقة وتشغلهم عن زراعتهم ومعاشهم ويخلصهم من شرها الفيضان .. عندما تغمر المياه الحقول والغيطان .. وأوكار هؤلاء الأشقياء .. وتصبح السلسلة الفضية درعا لا ينفد منه إنسان ..
وكان عصام ضابط النقطة .. قد قضى سنوات كثيرة فى هذه المنطقة وعرف طباع أهلها واحبه الفلاحون لأنه يرعى شئونهم ويحرس زراعتهم ومواشيهم .. ويحفظ عليهم كرامتهم .. وكانوا يعاونونه فى القبض على الأشقياء .. وسحق الشر أينما كان .. ويدلونه على السارق .. وقاطع الطريق.. ولذلك عاشت النقطة مثالية ..
ولكن حدث فى يوم من شهر أكتوبر ان سرق تاجر من التجار وهو عائد من السوق فى وضح النهار .. وضرب بالرصاص على الجسر .. ومع ان الفلاحين شاهدوا الجانى ولكن احدا منهم لم يتقدم بالشهادة فى التحقيق .. فحزن الضابط لتغير حالهم
وكان بالنقطة قوة من العساكر .. تعتمد فى تنقلاتها ودورياتها على الخيل.. لأن الطريق الزراعية رديئة فى هذه المنطقة ولا تصلح لمرور السيارات.. كما ان الخيل كانت تعبر بهم القنوات والفجوات .. والأرض الموحلة ... وتشق بصدرها المزارع والحقول ..
وكان لعصام جواد عربى أصيل اسمه « سهيل » يحبه ويعتز به وينتقل به دائما فى دورياته فى الليل والنهار
وكان الجواد كريما .. وحاسته قوية .. فاذا احس بالشر .. نشر أذنيه وسدد بصره وصهل
وكان عصام يعنى به عناية فائقة ويقدم له العلف بيديه .. ويشرف بنفسه على غسل جسمه بالماء والصابون . وتمشيط شعره .. حتى يبدو فى أجمل مظهر ..
*     *     *
وفى ليلة من ليالى ديسمبر .. كانت شلبية امرأة خفير الوابور فى العزبة تنفخ النار فى الموقد فشاهدت رجلا يقترب من كوخها .. وكان الرجل بادى التعب ويشكو من الجوع .. فأعطته من طعامها ..
فأكل وجلس يصطلى بالنار ويستريح ..
ورأت وجهه فى ضوء النار .. وكان مستطيلا نابت الشعر .. وعيناه قويتان .. وكان قليل الكلام .. ويرتدى جلبابا اسمر وعلى كتفه بندقية قصيرة غطاها بكوفية .. وفى قدميه حذاء طويل كالذى يرتديه الرعاة ..
وبعد أن شرب الشاى .. وتحدث معها قليلا .. انصرف .. وتبعته ببصرها وهو يولى فى الظلام .. بجانب زراعة البرسيم ..
*     *     *
وبعد ثلاثة أيام عاد إليها نفس الرجل .. وكان كما رأته أول مرة .. وطلب أن تعطيه بعض الدخان .
فقالت له :
ــ أن عليان .. لا يدخن اطلاقا
ــ اشترى لى علبة سمسون .. وقدم لها قطعة فضية ..
ــ من أين .. بيننا وبين البلد مشى ساعة ..
ــ الا توجد دكاكين .. فى هذا النخيل ..؟
ــ لا .. والباعة يمرون علينا فى الصباح راكبين الحمير .. ومعهم الدخان.. وكل شىء .. تعال فى الصباح .. انت من هذه البلاد ؟
ــ أننى من النجع ..
ــ نجع رشوان ..؟
ــ لا .. نجع آخر ..
وصمت .. ونظرت إليه طويلا .. ثم قالت :
ــ سأبحث لك عن سجاير فى « زريبة » منصور .
ورأها تذهب .. فلم يثنها عن رغبتها.. وعادت ومعها باكو من الدخان.. فأخذ يلفه .. ورأت أصابعه ناعمة .. وليست خشنة .. كأصابع الفلاحين ..
ــ لست بفلاح ..؟
ــ أجل ... وكيف عرفت ..؟
ــ أصابعك ناعمة .. لم تلمس الفأس ..!
ــ أنا تاجر مواشى ..
ــ وبكم تشترى هذه البقرة ..؟
ــ بأربعين جنيها .. ولجلك .. بخمسين ..
ــ وتدفع نقدا ..
ــ فى الحال ..
وأراها رزمة من الاوراق المالية .. فابتسمت .. اخذت تحدق فيه أكثر واكثر .. وسألها .. وقد أشعل السيجارة الملفوفة وأحس بالراحة
ــ أين زوجك ..؟
ــ ذهب إلى السوق .. يبيع عجلة ..
ــ إذا عاد بها ساشتريها منكم ..
ــ أو تحسب اننى صدقتك .. انك لا تبيع ولا تشترى ..!
ــ كيف ؟
ــ أجل .. انك عاطل .. ولاعمل لك على الإطلاق .. ومثلك كثير يحملهم التيار .. ومصيرهم .. إلى الكلاب ..
فضحك ..
وقال :
ــ أتقولين لى هذا الكلام .. لأنك أعطيتنى قليلا من الدخان ... خذيه ..
ــ لا ليس لهذا .. وإنما اقول لك هذا الكلام .. لأنك شاب .. وطالع على وجه الدنيا .. فلماذا تحمل البندقية .. وتدور بها .. أحمل الفأس وأعمل فى الحقل ..
ــ إنى غريب .. وكنت مريضا .. وأقيم فى هذا البستان إلى حين ..وأرجو أن تحملى لى فطيرة فى الصباح ..
ونظر إليها بطرفه
ــ أو تحسب أنك تخيفنى .. ببندقيتك ونظراتك .. لن أحمل لك شيئا والان اغرب عن وجهى ..
وظل جالسا .. يضحك ..
ــ إذا رآك زوجى هنا سيقتلك .. لأنك شرير ..
ــ لم أسمع مثل هذا الكلام قط من إنسان .. وانا اقبله منك .. لأنك حلوة.. ولأنك ستحملين لى الفطيرة فى الصباح
ــ أذهب .. وإلا سلطت عليك الكلاب ..
فابتسم وذهب ..
*     *     *
وفى الصباح حملت شلبية الفطيرة إلى وكر « علام » .. وظلت تتردد عليه يوميا .. وعشقها وعشقته ..واحتجزها عنده ..
ولما ذهب زوجها ليبحث عنها قتله .
وعرف الناس الخبر ففزعوا وطارت نفوسهم رعبا .. واشتد بطش علام وارهابه . فخشيه الفلاحون .. وتركوه .. يعيث فسادا فى الأرض .. يسرق أموالهم ومحاصيلهم دون ان يجرؤ إنسان على الاقتراب منه
ووجد عصام نفسه وحيدا أمام شرير خطير .. تخلى عنه الأهالى جميعا .. ولكن هذا لم يثنه عن عزمه .. وأخذ يطارده بعنف .. وكان علام .. يفلت من الحصار .. ويغيب فى المزارع الكثيفة ..
وكان الفلاحون يتسترون عليه خوفا من بطشه .. وكانت عشيقته شلبية تمده بالمؤن فى وكره ..
وأخذ عصام يحاول بكل الطرق ان يزيل الخوف من نفوس الناس ويجعلهم يجابهون هذا الإرهاب بيد واحدة .. فلم يفلح وذهبت جهوده هباء ..
*     *     *
وحدث أن صحب الشيخ على وكان من أهالى القرية المعروفين الضابط ذات ليلة فى جولة تفتيشية للبحث عن علام .. ورد علام على ذلك فى اليوم التالى ان ذهب إلى بيت الشيخ على فى الشمس الطالعة .. وأفرغ على بابه الرصاص ..
وشاهد الاهالى الثقوب فى الباب والرصاص الفارغ فى الأرض وعلام ينسحب فى هدوء والبندقية فى يده .
وقد جعل هذا الحادث الناس .. أكثر فزعا .. ورعبا .. وأخذت المديرية تمد « عصام » بالقوة .. والدوريات المستمرة .. للقبض على هذا المجرم ..
وكان عصام .. يعرف عن يقين . انه ليس فى حاجة إلى قوة من العساكر أو مدد لقتل علام .. وأنما فى حاجة إلى قتل الخوف أولا من نفوس الفلاحين.. لانه أسوا ضروب الاجرام .. ومتى قتل الخوف ..تبدد الظلام .. وسحق علام .. وألف من طرازه .
وكان من قوة النقطة الجاويش بخيت وكان من ابرع العساكر فى ضرب النار .. كان جسورا شديد لقلب وكان عصام يعتمد عليه فى مطاردة علام..
وجرح هذا الجاويش الجسور بعد معركة رهيبة بين رجال البوليس وبين الشقى .. ونقل إلى المستشفى وتألم عصام ولكنه لم ييأس قط ..
*     *     *
وضم الفلاحون المحاصيل .. وغمرت المياه الحقول .. فتنفس الناس الصعداء .. وانقطعت الحوادث وأشاع الاهالى ان علام أخذ عشيقته وذهب بها إلى الجبل .
وانتهى موسم الفيضان .. وخرج الفلاحون إلى الغيطان ...
وظهرت حركة ترقيات وتنقلات بين رجال البوليس .. وجاء دور عصام فى الترقية ورقى ونقل إلى البندر ..
وجاء ضابط اخر ليحل محله ..
وانتظره عصام على المحطة .. ولما خرج الضابط الجديد من القطار رآه عصام بصحبة زوجته .. وكانا شابين فى مقتبل العمر .. ويبدو انهما عروسان فى شهر العسل .
فتألم عصام لانه لم يكن يقدر ان هذا الضابط الصغير متزوج .. ومتزوج حديثا .. ويجىء بها توا إلى الريف .. قبل العفش .. ليعيش وسط هذا الظلام.. وهذا الإجرام . واستقبلهما مرحبا .. ولم يشعرهما بما دار فى نفسه من قلق ..
وأنزلهما فى بيته .. ونام هو فى النقطة ..
وفى الصباح أعد لهما الافطار .. ووجد الزوجة سافرة ومرحة .. وأكثر جمالا وفتنة مما كانت عليه فى المحطة ..
وخرج عصام مع منير الضابط الجديد ليعرفه بالناس ، ويطوف به فى القرى والعزب التابعة للنقطة
*     *     *
وجاء العفش .. وساعدهما عصام .. على اعداد البيت .. ونقل هو عفشه إلى البندر .. ولكنه ظل يتردد على النقطة كل يوم ليطمئن على الاحوال فيها ودخل الاسطبل ليشاهد « سهيل » فصهل الجواد .. عندما رأى صاحبه .. وربت عصام على كتفه وخرج وأبصر عفاف هانم . زوجة زميله خارجة من حديقة المنزل الصغيرة .
وسلم عليها .. وسألته :
ــ كنت عند الحصان ..؟
ــ طبعا .. كان لى نعم الرفيق .
ــ العساكر .. بتقول .. أنه من يوم ما مشيت .. ما بيكلش .. كنت بتعملوا إيه زيادة ..
ــ حاجة بسيطة .. خالص ..
ــ إيه هية ؟
ــ بعامله بحنان ...
وتضرجت وجنتاها ..
ــ من دلوقت .. ياعصام بيه .. حنعامله بحنان ..
ــ سأذكر هذا المعروف دائما وأرجو أن تكونى مسرورة هنا ..
ــ البلد باين عليها .. كويسة وهادية .. والناس طيبين بس ماتسبش منير لوحده .. أو تنساه وانت فى البندر ..
ــ مايكنش عندك أى شاغل ... أنا دائما معه .. ومن اليوم لن تكون هناك متاعب له اطلاقا ،
ــ فى القطر .. الناس كانت يتخوفنى من شقى خطير ..
ــ لن يعيش شيطان على هذه الأرض وانت هنا ...
ونظرت إليه بإمتنان .. فاطرق وأحس باقدام زوجها فذهب إليه .. وظلا يتحدثان مدة وبقى عصام فى النقطة إلى قرب الغروب .. ثم خرج .. يودع العساكر جميعا ..
وسلم على « منير » ..
وطلب البندقية التى استعارها من الشيخ هشام .. ليعيدها إليه .
وركب جواده « سهيل » وهو يقول لاحد العساكر :
ــ بدرى تركب أول قطر .. وتيجى علشان تأخذ الحصان من البندر ..
واستدار بالجواد .. وخرج .. ورأى « عفاف » فى نافذتها .. وهو يصعد بالجواد الجسر مشرقة وضاحكة .. فحياها بهزة من رأسه .. وانطلق وقبل أن يبلغ القنطرة .. بصر باثنين من العساكر .. خرجا بجوادين ليلحقابه وهما يسرعان فتوثب .. وارجعهما .. وهو يقول .
ــ مفيش حد يروح معايا .. أبدا ..
ولما بعد انحرف بالجواد وسار فى طريق غير طريق البندر
*     *     *
وبعد ساعة .. سمع منير وهو جالس فى النقطة صوت الرصاص فنهض وسأل أحد العساكر
ــ فيه إيه يا عبد الصبور ..؟
ــ دا مش عندنا .. يا حضرة الضابط .. دا فى البر الشرقى ..
فعاد إلى مكانه .. ولكنه سمع من جديد الرصاص يدمدم فى جهة قريبة .
وخرج مع العساكر على الخيل .. والرصاص يزار .. ويمزق سكون الليل..
وعندما اقتربوا .. من مصدر النار .. كانت الطلقات قد خفتت
وبصروا أول شىء بالجواد .. وكان جالسا فوق فجوة على مؤخرته .. وناصبا صدره ومقدمه ليحمى به « عصام » .. من النار ..
ومع ان الرصاص اخترق كتفه ولكنه .. ظل ناصبا نصفه الامامى .. حتى وصلوا إلى المكان ..
وعندما رآهم .. تمدد .. ووضع رأسه على الأرض .. وظل الدم ينزف منه..
وكان عصام .. لا يزال ممسكا بالبندقية .. ووجهه يعبر عن الجهد الجبار.. الذى بذله .. حتى قضى على المجرم وارداه ..
كانت أصابة عصام خفيفة فقد تلقى الجواد فى صدره كل الرصاص الذى كان يطلقه علام ..
وكانت هناك أمرأة لابسة السواد تسرع فى طريق المعدية .. وأخرى تقف فى نافذة .. بيتها تسأل عن حالة الجريح .. وتتذكر كل الكلمات التى قالها فى الصباح .

الحارس
غادرنا « منفلوط » فى اليوم التاسع من أكتوبر فى جو مشحون بالحرب فى كل مكان . وكانت الأنوار منطفئة فى المحطة ، وفى المدينة ، ولكن القمر كان طالعا ، ونوره يفرش على البيوت والمزارع ، وبساتين النخيل .
وكانت الرياح رخاء ، والليل صحوا ، والرؤية واضحة إلى المدى البعيد ، ورغم الإظلام فى المحطة وفى البيوت ، ولكنا لم نسمع صوت قذائف على الإطلاق .
وكان الناس يقومون بأعمالهم العادية فى هدوء كأن الحرب لم تشتعل منذ ثلاثة أيام ، ولكن الفرحة كانت بادية على الوجوه ، وفى سلوك الأفراد وتعاملهم ، فقد هزتهم موجة الانتصار وأطلقت العنان لمشاعرهم المحبوسة .
وكضابط أمن فى المنطقة فانى أقرر أنه لم تقع منذ ثلاثة أيام حادثة واحدة سجلها دفتر الأحوال فى المركز .. سوى حادثة سقوط « لينا جدعون » بين المزارع .. رفيقتى فى هذا السفر الليلى .. فى العربة الخلفية من قطار الركاب رقم 777 ، فقد فاتنا الاكسبريس لخطأ فى التقدير . فكان لابد من السفر فى الليل ، فى مكان منفرد وبعيدا عن الركاب .. ووقع الاختيار على ديوان صغير مخصص للسيدات .. ويحتوى على كنبة جلدية واحدة وتقع فى نهاية صف الدواوين فى آخر عربة فى القطار .
وكانت العربة بأجمل صفاتها متهالكة ، ومفصلاتها تزعق .وزجاج نوافذها نصف مكسور ، وعجلاتها تدوى على االقضبان كالطاحون القديمة ...!
ولكن الديوان الصغير الذى اجلست فيه « لينا » كان بابه صالحا للعمل . والزجاج فى النافذة والباب كانا سليمين .
وكحارس لا تفوته ثغرة أخذت على ضوء القمر وضوء البطارية التى معى أدور بعينى فى هذا الجزء الخلفى من العربة بعد أن أودعت « لينا » فى داخل الديوان وشعرت بالراحة لأنى ساستريح من فضول الناس إذ لم يكن فى الدواوين الملاصقة لنا مباشرة ركاب على الإطلاق .. وكان وجودهم سيسبب لى مضايقات كثيرة لأن « لينا » لا تزال بملابسها العسكرية التى سقطت بها ..
وكنت قد انزلت خشب النافذة عندما كان القطار واقفا فى المحطة ، فلما تحرك خالفت التعليمات ورفعته لأن الاظلام كان تاما فى القطار كله .. ورأيت إلا نختنق فى هذا الظلام وأن أدخل قليلا من ضوء القمر من خلال الزجاج .. لأراقب الأسيرة وأراها وترانى ..
وأخذت أتطلع فى الضوء الطبيعى إلى وجهها وكانت قد شربت دموعها واستفاقت من الفزع الذى أعقب السقوط .. وأطمأنت على حياتها وعلى وجودها معى كحارس لها .. فقد عاملتها بالحسنى من أول لحظة .. ومنعت عنها سباب النساء ولعنة جنسها وغضب الجموع التى أحاطت بها ..
فإن شخصا يسقط فى المزارع وبين الفلاحين بعد أن كان يحلق ليرميهم بقنابل الدمار له فى نظرهم حكم واحد .. الموت ..
وقد نجيتها من الموت .. وبسرعة ، ونقلناها من المركز إلى القطار ، وأصبحت مسئولا عنها وحدى حتى أصل بها إلى المكان المعين لنا . وحدث كل شىء بسرعة رهيبة حتى اننى لم أسترد أنفاسى . وكنت فى أشد حالات التعب إذ لم أنم منذ يومين ، وخشيت أن يغلبنى النعاس فتهرب ، كنت فى خوف موصول من حدوث ذلك .. ولهذا أخذت أفتح عينى جدا .. وشعرت بأنى فى حاجة شديدة إلى فنجان من القهوة أو الشاى ، ولكن ساءنى أن القطار ليس به مقصف ثابت ولا متنقل كما نشاهد فى القطارات الأخرى .
وكانت « لينا » بجانبى من الداخل وكنت أرى جانب جيدها . ورأسها المنحنى المستدير قليلا إلى النافذة ، وتبدو صامتة وحزينة ولا يبدو عليها التفكير فيما يدور بخلدى .
ولكن من الذى يستطيع أن يتبين من ملامح المرأة ما تبطن من خفايا نفسها..
كانت ترتدى ثوبا أخضر من الكتان ويبدو ضاغطا فوق ركبتيها وبروز صدرها ..
ورجعت إليها أنوثتها . فأخذت تسوى شعرها وتصلح من ردائها العسكرى .. فعندما هوت وجرت لما طاردها الفلاحون ، تعثرت وسقطت على الأرض بين الزراعات المروية فاتسخت حلتها وعلق بها التراب والطين... فخلعت سترتها وأخذت تنظفها .. وبدأ لحمها من تحت القميص الأخضر متسخا كأن به آثار جرح فسألتها :
ــ هل بجسمك رضوض ...؟
ــ أبدا .. التوى قدمى قليلا وأنا ساقطة ..
ــ سنعالج هذا عندما نصل ...
ــ نصل إلى أين ..؟
ــ نصل إلى مدينة جميلة .. وستجدين رفاقك هناك فى انتظارك ...!
وبدا عليها السهوم ولعلها تذكرت ما فعلوه هم بالأسرى المصريين فى الحرب الماضية .
وسألتها :
ــ أى مدينة فى مصر كنت تودين تدميرها ..؟
فشحب وجهها :
ــ لم نخرج لندمر ... كانت طائرتنا استطلاعية ..
ــ لماذا سقطت ..؟
ــ أصيبت بقذيفة ...
ــ هل ولدت فى اسرائيل ..؟
ــ ولدت فى رومانيا ...
ــ شاهدت فى مجلة أجنبية منذ أسبوع فقط صورة لأسرة رومانية تجلس فى حديقة بين الورود ، والرياحين ، أسرة وديعة مسالمة .. فلماذا تختلفون أنتم عن جميع أجناس البشر وتريدون تخريب العالم ..
ــ لقد قلت أن الطائرة استطلاعية وأنا لم أسبب الضرر لأحد .
ــ بعد طائرة الاستطلاع .. تأتى طائرة القنابل ..
ــ إنها الحرب ..
ــ أجل إنها الحرب ، ولا سلام فى هذه الأرض ما دمتم على ظهرها .. هذا هو رأيى ...
كان الحرز الذى وضعنا فيه أشياءها لا يزال بجانبى فألصقته بالمسند واتكأت عليه .. وابتعدت عنها حتى أصبحت قريبا من باب الديوان لأفسح لها مكانا لتنام ..
وقلت لهـــا :
ــ نامى ساعة أو ساعتين .. فالرحلة طويلة ..
ــ انى جائعة .. ولا أستطيع النوم وأنا جائعة ..!
ورأيت أن اشترى لها طعاما فى المحطة التالية ، أو فى « ديروط » .
وأخذ هواء الليل يترطب ، ومع سرعة القطار .. اشتد مرور الهواء فبدأت الأتربة تتطاير فى وجهينا كلما دخلنا فى المحطات الصغيرة .. فأغلقت زجاج النافذة ..
اقتربنا من « القوصية » .. وفكرت أن أجد فيها طعاما . واشتريت الطعام الذى يكفينا . ولما تحرك القطار سألتنى وهى تأكل :
ــ من الذى علمك العبرية .. بهذه الطلاقة ..؟
ــ كنت أسكن فى حارة عندنا أسمها حارة اليهود .!
وأفترت شفتاها عن ابتسامة باهتة ..
ولأول مرة أرى أبتسامة على وجهها ..
ــ ولهذا وقع عليك الاختيار لترافقنى ..؟
ــ أجل .. فقد كان هذا من سوء حظى ...
ــ لماذا .. أننى لم أسبب لك أية متاعب ..
ــ لقد طلبونى على عجل وأنا مريض .. ولم أذق للنوم طعما منذ يومين .. وقد أكون محموما ..
ــ لماذا لا تستريح الآن وتأخذ كفايتك من النوم ..
ورفعت بصرى إليها مبتسما ولم أعقب ..
وتكورت هى بجانبى بعد أن تعشت واضعة رجليها تحت فخذيها ، وأغمضت عينيها .. وإن كنت على يقين بأنها تنام بأحدى عينيها فقط وتظل الثانية مفتوحة !
وفى محطة « ديروط » ناولتها زجاجة من العصير ، وكنت أود أن أشرب القهوة ولكنى لم أجدها فى داخل المحطة ..
وكان السكون شاملا والظلام تاما ، وحالة الحرب بادية هنا بالدرجة القصوى ، وكانت ترعة الابراهيمية على شمالنا .. تبدو مياهها هادئة وعلى الأفق الغربى كان القمر يلتهب وكان لون أخضر يقرب إلى السواد يغطى المزارع ، أما المدينة فكانت محتجبة فى الظلمة وساكنة ..
وساعدنا السكون الشامل على أن نسمع صوت الراديو ، وكان يذيع انتصارات الجيش المصرى على طول جبهة سيناء .
وقرأت « لينا » الانتصار على وجهى فامتعضت وبدأ عليها الذبول « لقد أطلق الراديو مشاعر كانت فى عداء صريح مع عقلها وتفكيرها » .
كانت تتوقع انتصار جيشهم ولم تكن تتوقع هزيمة كهذه أبدا .. وأصيبت بخيبة أمل مرة .. وغدت سحنتها مخيفة ضاعت منها كل علامات الأنثى .. وخفضت رأسها وراحت تنظر إلى أرضية العربة .. وجعلنى هذا أراقبها بحذر لا تغفل عيناى عنها لحظة .
وخطر فى ذهنى خاطر .. أن أحدًا من رجال الأمن لم يفتشها فى المركز.. واستدعى لتفتيشها مدرسة فى المنطقة .. فتشتها فى غرفة مغلقة .. ولكن هل فتشتها هذه المدرسة كما يجب ..
ونظرت إليها وكانت لاتزال متجهمة وقلت بهدوء :
ــ قفى ...
ــ لماذا ...؟
ــ أريد تفتيشك ...
وأرتعش بدنها ...
ــ لقد فتشت فى المركز .. والأشياء كلها معك فى الحرز ..
ــ ولكنى سافتشك مرة أخرى ...
ــ تفضــل ...
ووقفت وفتشتها بدقة متناهية وهى تنظر إلى بدلال ..
وعجبت وأنا أضع يدى على لحمها من كونى لم أشعر بأية عاطفة نحوها .. وهى رشيقة الجسم وتعد جميلة فى النساء .. كانت تقاطيع جسدها بارزة من خلال القماش الكتانى المشدود ، وكانت يداى تتحركان على تمثال من الشمع الجامد .. وربما تتصور أننى أتلذذ من هذه الحركة لأننى فتشت الجيوب وقلبتها .. ولمست صدرها وفخذيها تحت القميص وفوقة . ربما كانت تتصور أن فى الأمر متعة لأنها طالت ... ولكن أحساسى كرجل كان يغطيه دخان الحرب ويغلفه .
وكنت جامدا .. فأى ضعف من جانبى معناه ضياعى كرجل ..
وكانت هذه اللحظة هى سلاحها الوحيد الذى تحمله ضدى .. فلما رأت جمودى ... تحولت سحنتها فجأة من دلال الأنثى الناعم إلى سحنة نمرة .
وعادت وقد غلب عليها الارتباك والهزيمة معا فجلست ثم تكورت فى مكانها .. وبعد منتصف الليل وفى الساعات التى أعتاد أن ينام فيها الناس بقيت مستيقظا ، وفى أشد حالات الانتباه واليقظة وأصبحت أغالب النوم بصعوبة بالغة .. فقد كنت فى أشد حالات التعب والإرهاق البدنى وأفتح عينى بصعوبة .. وأحدق بجانب دائما .. وأظل جالسا فى خط مستقيم .. لأنى إذا اضطجعت إلى الوراء سيغلبنى النعاس ، كان شعورى بالمسئولية الضخمة مضاعفا .. رغم الجهد النفسى الذى بذلته .. ولكن النعاس كان يغلبنى على فترات قصيرة جدا وأنا جالس وكنت أفتح عينى بقسوة بعد كل غفوة .. واتلفت فأراها فى مكانها .. فأطمئن ..
ولكنى أعود للنوم .. وأحلم .. بأنها نزلت من القطار .. وتخطت القضبان وهربت وقدمت للمحاكمة وحكم على بالسجن ويحدث كل هذا سريعا .. ولكن بوضوح .. فى شريط الرؤية الذى يدور .. وصرخت .. وفتحت عينى فوجدتها واقفة .. تتطلع إلى النافذة ..
وقالت بلهجة حزينة .. لما وجدتنى أرفع رأسى :
ــ أريد أن أذهب إلى دورة الميــاه ..
وفتحت باب الديوان ودفعتها أمامى إلى الخلف فى الضوء الشاحب والقطار يجرى .. وكانت دورة المياه ملاصقة لنا تماما فلم تتحرك أكثر من خطوتين فى هذا الظلام ..
وفتحت لها الباب ودخلت ، وقلت لها بصوت أمر :
ــ دعى الباب نصف مفتوح ..
فلم ترد ... وتركت الباب نصف مفتوح .. ووقفت نصف دقيقة فى الظلام ، أصارع رغبات لا قبل لمثلى بها .. ثم حركت الأكرة وأغلقت عليها الباب ..
ووقفت انضح عرقا .. ربما انتحرت أو ألقت بنفسها من النافذة فماذا يكون مصيرى وطال مكوثها بالداخل .. وأنا فى الخارج فى صراع ورعب ثم خرجت فوجدتنى على الباب فحدقت فى وجهى فى الظلام .. ثم مضت لا تلوى على شىء .. وجلست فى مكانها وقد مدت ساقيها وألصقت ظهرها بالكنبة .. وتفرست فى وجهها الحزين وكل كيانها المرتجف .. كانت خائرة القوى .. اتخاف من المجهول .. بعد أن ضاعت الأحلام !! وأصبحت تواجه الحقيقة المرة ..؟ واسترخيت مثلها .. وأحسست دون أن أنظر من نافذة القطار .. اننا تجاوزنا محطة المنيا .. وسمالوط ..وبنى مزار .. وأننا نقترب من «مغاغة» فأنا أعرف جو هذه المحطات دون أن اقرأ أسماءها .. من كثرة اسفارى .. وتوقف القطار على محطة صغيرة وطال وقوفه .. وكان النخيل يغطى كل ما حولنا والسكون شاملا ، ونباح الكلاب هو الشىء الوحيد فى هذه البقعة الذى يدل على وجود الحياة .
*     *     *
وأحسست بالقطار وهو يسير .. وملت عليها فوجدت جلستها غير مريحة فعدلت وضع رجليها وكانت مستغرقة فى النوم ، فالقيت بجسمى إلى الوراء.. وأصبح دوى العجلات الرتيب .. كأنه نغم الأحلام .. ولا أدرى أنمت أم كنت صاحيا .. فان الفترة فى تقديرى لم تكن تتجاوز دقيقة واحدة .. فقد فتحت عينى على حركة وقوف القطار فلم أجدها فى مكانها وارتعت وقد مستنى فجأة حالة رعب قاتل .. ولكنى لم أفقد عقلى .. وتحسست بيدى الحرز فالقيته فى مكانه فتناولته بسرعة واندفعت من الباب وكانت هى قد تركته مفتوحا خشية ان حركة اغلاقه ستوقظنى ..
وفى المحطة الصغيرة لمحتها ، وهى تجرى وتتخطى القضبان مسرعة فى اتجاه المزارع ..
وأخذت أجرى وراءها .. وقد تركز العالم كله فى بصرى على ردائها العسكرى .. كانت تجرى بأقصى سرعتها فى طريق زراعى مترب بجانب زراعات البرسيم والخضر وفهمت قصدها فقد لمحت حقل ذرة .. وكان فى نظرها نعم المكان للاختفاء .
وجرت واندفعت إلى الحقل وغابت عن بصرى وأخفاها الحقل والليل معا..
ويصعب على أن أصف إحساساتى فى تلك اللحظة ، فالشعور الذى انتابنى انذاك لا يمكن وصفه . لا يمكن تسميته بالخوف ولا بالقلق ولا بالعار على ضابط مصرى هربت منه فتاة اسرائيلية ، هربت منه اسيرة وهو مسلح وهى عزلاء .. لابد إنها أسرته بمفاتنها فى الليل والظلام والوحدة فضعف واستسلم لها واستجاب لرغبتها .. وأطلقها تعبث فى الأرض فسادا .. أطلق جاسوسة تتجسس فى البلاد ونحن فى حالة حرب .
والمحاكمة العسكرية .. والسجن والعار .. دارت كل هذه الخواطر فى رأسى ... وأنا أقف على رأسى الغبط .. مسمرا ملتاعا .. واجهت ظاهرة غريبة وأصبح الزمان والمكان لا وجود لهما بالنسبة لى ..
كان معى جهاز ارسال لاسلكى ، ولكننى لم استعمله ولم أطلب الاستعانة ولا النجدة .. خشية الفضيحة ..
ووقفت وحدى كانما أنا فى الدنيا جميعها الذى يواجه وحده تحدى القدر .
ودخلت الحقل أتخطى « الحوض » والمجراة .. إلى أين تمضى هذه الملعونة فى العتمة ..
ولم أوغل كثيرا .. ورفعت المسدس وأطلقت ثلاث طلقات إلى أعلى وطلقة إلى مستوى رأسى وسمعت بعد ذلك صرخة .. وصوتها وهى تطلب منى بالعبرية أن أكف عن أطلاق النار .
ووجدتها مبطوحة على بطنها فى قناة جافة ، وواضعة ذراعيها ويديها على رأسها .. وأوثقت يديها من الخلف .. وخرجت بها
كان القمر قد غاب منذ قليل وراء أشجار النخيل العالية وباتت القرية غارقة فى عتمة رمادية شهباء .. وليس غير رؤوس الأشجار بادية فى الظلمة..
ونسيت القطار .. وخيل إلى أنه قد مر على مجيئى إلى هذا المكان دهر كامل .
وتطلعت إلى النجوم .. وهى تسير أمامى .. وتخطينا مرتفعات السباخ التى تجاور الحقول وأصبحنا نسير فى حذاء الترعة إلى المحطة .
كانت نحيلة بادية الطول شاحبة اللون تمشى بخطوات مترنحة من فرط التعب ... رأسها الصغير يتمايل على عنق طويلة يغطيها من الخلف شعر أشقر مرسل قد تلطخ من وعثاء الطريق .. وعيناها تحدقان فى وجهى دوما بنظرة فائضة بالحقد .
وفى المحطة الصغيرة فككت وثاقها وانفجرت تعول بالبكاء .. وقد تكورت ووضعت ذراعيها حول فخذيها .. وتطلعت بعينيها إلى القضبان .. فى حزن واستسلام ..
ولقد أدركت بجلاء وأنا أحدق فى هذا الكائن أن هناك من يمتص الحياة من هذا الجسد البشرى ..
أخذت أتفرس فى ملامحها دون حركة وأنا واقع تحت وطأة المشاعر التى كانت تفيض بها نفسى .. وأدركت فى تلك اللحظة الكثير مما تفعله اسرائيل برجالها ونسائها ، فهذه التى ولدت لتكون زوجة أو مدرسة أو طبيبة أو عاملة نافعة لجنسها .. حولوها إلى شيطانة للدمار .
كانت المشاهد التى حوالى كلها ساكنة ... القرية .. والمحطة .. والبساتين المزهرة .
وكنت أرى قلوع المراكب فى النهر تبدو أشرعتها من بعيد فى العتمة كالأعلام وتسير فى طريقها فى سلام دون أحساس بالحرب
أما الترعة عن يسارى فكانت ساكنة تماما .. فلا حركة فيها تدل على الحياة ..
وفى الجهة الأمامية من المحطة الصغيرة يجلس الغضب والحب يتصارعان .. حب الحياة .. وغضب الثأر ..
ورأيت فى وجهها أطفال مدرسة بحر البقر .. وعمال أبى زعبل .. وضحايا الطائرة المدنية .. وسكان بور سعيد .. والاسماعيلية .. والسويس الآمنين فى بيوتهم ، كل هؤلاء كانوا مدنيين عزل .. لم يطلقوا رصاصة ولم يصوبوا مدفعا فى صدر أحد .. كانوا يعيشون فى سلام للحياة ..
فقصفوا أعمارهم بقنابل الدمار .. ان الحقد يعشش ويبيض فى قلوبهم ..
كانت أمامى بكل حقدها وما فى نفسها من خساسة .. ولكن ماذا أفعل وأنا الرجل المسلح أمام أمرأة قد جردتها من السلاح ..؟
وسمعت صفير القطار من بعيد .. وأخذت استعد لجولة أخرى معها فى هذا الليل الساكن ..
*     *     *

الصــقـر
l اشتهر « الخط » فى الصعيد وأصبح أسطورة ، واشتهر « زهران » فى رقعة الدلتا وكاد يصبح أسطورة .
ولم يكن أحد يدرى كيف استوطن قرية « النخيل » وعاش فيها ، إذ لم يكن له أهل ، ولا بيت فى القرية .
وعندما دخل القرية لأول مرة ، ومشى فى دوربها ، وكان فى ذلك الوقت فى الثلاثين من عمره ، لم يجد أمامه غير دكان « عبد الحليم » فابتاع علبة سجائر ، وجلس على المصطبة هناك .
ثم أصبح المالك للبيت الملاصق للدكان . وكان يزرع قطعة الأرض ، ليعيش من غلتها كغيره من الفلاحين . ثم انقطع عن الزراعة ، وأصبح يعيش من طلقات الرصاص ..
كان الناس يؤجرونه لقتل أعدائهم وغرمائهم نظير أجر قليل .. ثم ارتفع الأجر لما قويت سطوته وذاع صيته .
وفى مدى سنوات قليلة أصبح الخط البيانى لشهرته يتحرك فى صعود ، ككل فتاك فى الريف .
وكلما ازداد جبن الناس فى القرية التى يعيش فيها ، والقرى المجاورة لها .. اشتدت سطوته وجبروته ، وطار اسمه فى المنطقة حتى أصبح مكمن رعب الناس جميعا ، وأصبحت الأمهات يخوفن به الأطفال .
وهو مع كل صفاته .. ولكنه اتخذ لنفسه خطة حمدها له الناس فى القرية.. ذلك أنه ابتعد بجرائمه عن القرية التى يقيم فيها .. فلم يكن يقبل أن يؤجر ليقتل أى شخص من أهلها .. ابتعد عن دائرتها كلية .. وعاشت القرية فى أمان من شره ..
ولكنه كان يقبل التحرك فى كل ما عداها من القرى ، ويسافر وراء الطريدة .. يركب القطار ، والسيارة ، والخيل ، والبغال والحمير .. حتى الجمل .
ويستعمل البندقية والمسدس .. ويصيب من أول طلقة .
ولم يكن أحد يدرى من اين أوتى براعة التسديد ، كان نادر المثال فى التصويب .. قوى البصر . ثابت اليد ، رابط الجأش ، يطلق النار وهو على ظهر الفرس ، وهو فى جوف السيارة ، وهو منبطح فى الجرن ، وهو كامن فى المزارع .
وكان فى صباح اليوم الذى يكون قد أطلق فيه النار بالأمس ، وأزهق روحا بشرية لا ذنب لها . يجلس فى مقهى صغير على « الرياح » يدخن الشيشة ويتحدث فى مرح مع صحبه .. هادىء الأعصاب .. ثابت الجنان .. لا تحركه حتى الزلازل .
ومن حوله الاتباع من ضعاف النفوس ، وحثالة البشر ، يسبحون بجسارته، ويشيدون بصفاته ، فيزيدونه صلفا وضراوة .
ومن المقهى كان يتحرك إلى البيت ، أو إلى الطريدة .
وكانت الحوادث تحدث وتمضى .. وتطوى صفحاتها ، لأن أحدا لا يجرؤ على اتهامه .. جميع الدلائل والقرائن تشير إليه ، ولكن اسمه لا يجرى على لسان شاهد فى التحقيق .
وظل نجمه فى صعود .
وكلما مرت الأيام ماتت أرواح الناس . وضاعت نفوسهم ، تحت جبروت هذا الشرير .. وتخاذلت قواهم ، وضعفوا ، واستكانوا فلم يواجهوا الشر ، ولم يتصدوا له .. وجعلوه يستشرى ويتضخم .
وجعلهم الرعب لا يحرسون ، فى الليل أجرانهم ولا محاصيلهم ، ولا مواشيهم .. وكثرت حوادث السرقة والسطو .. واضطرب زمام الأمور .. وانخفض المحصول وقل المال ، وكثرت بينهم الدسائس والفتن .
خيم الرعب فأفسد جو الحياة .
وحاول نفر من العقلاء فى القرية أن يجعلوا الناس يتنبهون لهذا الشر .. ويستأصلونه من جذوره .
ولكنهم كانوا يرتدون خائبين .
ويقال لهم :
ــ ما دام يبعد بشره عن القرية .. فلا شأن لنا به ..!
ــ أنه سيتحول اليكم بعد أن يفرغ من سواكم ..
ــ أنه بعيد عنا .. ولا داعى لإثارة غضبه ..!
هكذا استمر « زهران » يصول ويجول فى الميدان ..
ولكن حدث ما هز من جبروته بضعة أيام .. لأمر لا علاقة له بالجسارة وبطلقات الرصاص ، فقد تقدم ليزوج ابنه « سالم » من فتاة أسرة معروفة فى القرية ، فرده والد الفتاة . وصرفه بالحسنى .. ويقال إنه قال له كلاما أغضبه.
وكثر اللغط فى القرية بعد الرفض .. وكان الناس يتوقعون أن يثور «زهران» ويقتل الشيخ صابر والد الفتاة .
ولكن لم يحدث شىء من ذلك .
والحادث على بساطته ، ومع انه يمكن أن يحدث لأى شخص يتقدم للزواج .. فاحتمال الرفض والقبول مألوفين فى مثل هذه الحالات .. ولكنه مع « زهران » بجبروته يتخذ شكلا آخر .. فقد هز الرفض صلفه .. والأمور يأخذ بعضها برقاب بعض ، بالنسبة للشخص الجسور فعندما يميل ميزانه فى شىء يميل فى كل شىء .
فى وقت الظهيرة وكانت شمس يوليو حامية انطلق كلب مسعور فى دروب القرية .
وطارد غلاما صغيرا ، ومزق ثوبه وعلا الصراخ ، وتجمهر الأهالى وراء الكلب بالعصى والنبابيت .. وسمع « زهران » بالخبر ثم رآه .. وكان جالسا فى دكان « عبد الحليم » ورأى الناس جميعا تنظر إليه كالمنقذ الوحيد من ضراوة هذا الوحش .. فتناول بندقية سريعا وجرى وراء الكلب ، الذى أخذ الفلاحون يطاردونه فى العرصة ، وهو يفتح عليهم أنياب وحش كاسر .. وقد انقلب بعد السعار الذى أصابه إلى ضبع .
وصوب « زهران » بندقيته وأطلق ولكنه أخطأ الكلب .. فتلفت الناس بعضهم إلى بعض بعد أن رأوا الحسرة على وجه الصياد .
وتقدم الكلب الذى اخطأته الطلقات فى وثبة الليث ففزع الأهالى وانتابهم الرعب .
وفى هذه اللحظة أطلق غلام فى الخامسة عشرة من عمره النار .. فخر الكلب صريعا . وذهل الناس . وسأل « زهران » وقد اصفر وجهه .
ــ من هذا الغلام . أمن بلدنا ..؟
ــ أبدا انه من تلوانه ..
ــ ابن من ..؟!
ــ إنه حسن ابن المرحوم عبد الغنى ..
ــ فحملق فيه « زهران » وارتعش بدنه وسأل .
ــ هو .. عبد الغنى له ولد ..
ــ أجل .. وكان فى بطن أمه .. عندما قتل والده ..
وانفضت الجموع ، وشعر « زهران » لأول مرة فى حياته بالتخاذل .
وبعد أيام قليلة من حادث الكلب .. تسلق ذلك الغلام حائط المنزل الذى يقيم فيه « زهران » وعرف قاعته .. دفع الباب برجله فى الظلام ، ولما دخل القاعة لم يجد فيها أحدا .. وفتش عنه فى كل مكان فىالبيت فلم يجده ، فأدرك ان ذلك الخنزير لا ينام فى بيته قط .. ولم يفعل ذلك ابدا منذ اخذ يطلق النار على الناس ..
كان فى الواقع أكثر منهم جبنا .
وكان شبح القتلى يطارده فى الليل .. وتوقع القصاص ، ولذلك كان يغير مكانه ، وفى كل ليلة ينام فى جهة .. مرة فى ساقيه ، .. ومرة فى مزرعة، ومرة أخرى فى جرن وأخرى رابعة فى بستان نخيل .
ومضت أسابيع .. والغلام الذى ربته أمه منذ شاهد نور الحياة على أن يثأر لأبيه .. لم يكن يشغل تفكيره أمر غير هذا .. ولكنه كان متأنيا يرسم الخطة بإحكام وصبر ، ويريد قبل كل شىء أن يمحو من أذهان الناس الهالة التى كونوها عن هذا الشيطان .. فهو رجل عادى .. ككل الناس ويحس بالخوف مثلهم .. ويكون احيانا أجبن من الكلب ..ويطلق النار .. ويخطىء ويصيب كأى رجل . ولكنه احاط نفسه فى براعة بنفر من الأتباع ضخموه .. وضخموه .. وهذا هو مكمن الرعب .
وتحرك الغلام ذات ليلة ، ووقف على رأس « زهران » وهو نائم فى بستان فأيقظه بحذائه .. وفتح هذا عينه مرعوبا .. وقال له الغلام والرشاش فى يده .
ــ إننى لست جبانا مثلك حتى أقتلك وانت على هذه الحالة كما قتلت والدى .. أصح ..
وتصارع الصقر مع الشرير مواجهة واشتد الصراع وأطلق « زهران » ثلاث رصاصات . وصرع الصقر الشرير من أول طلقة .
وعندما علمت القرية بمصرعه ، انتقل الخبر بسرعة الهشيم إلى كل القرى المجاورة ، فخرجت الجموع كالسيل الهادر ..
وجروا الجثة على السكة الزراعية .. وانفجر غيظهم ليمزقوها ويشوهوها. ولكن « الصقر » منعهم وهو يزمجر غضبا .. وصاح فيهم :
ــ للجثة حرمتها .. أيها الجبناء .. حتى ولو كانت للشيطان .
ووقف يحرسها حتى دفنت .
وحلقت حمامة بيضاء فى الجو .. ولم يكن أحد قد شاهد الحمام يحلق منذ سنين وسنين .